تفسير ابن كثير
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)}
لما رجعت المرأتان سريعًا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما بسبب مجيئهما سريعًا، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى -عليه السلام-، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، قال الله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} أي: مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - أنه قال: كانت مستترة بكم درعها ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر - رضي الله عنه -.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا [أبي] ¬زيادة من (ح) و (حم) وتفسير ابن أبي حاتم.¥، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر - رضي الله عنه -: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع من النساء دلَّاجة ولَّاجة خرَّاجة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير.¥. هذا إسناد صحيح.
قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجارية السليطة، ومن النوق: الشديدة ¬الصحاح للجوهري ص 1231.¥.
{قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} وهذا تأدب في العبارة لم تطلبه طلبًا مطلقًا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا؛ يعني: ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} أي: ذكر له ما كان من أمره وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده {قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} يقول: طِب نفسًا وقرّ عينًا، فقد خرجت من مملكتهم، فلا حكم لهم في بلادنا، ولهذا قال: {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال:
أحدها: أنه شعيب النبي -عليه السلام- الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قرة بن خالد عن الحسن بلفظ: "يقولون شعيب وليس بشعيب".¥، ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن عبد العزيز الأويسي، حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيبًا هو الذي قصَّ عليه موسى القصص ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد العزيز الأويسي عن الإمام مالك.¥. قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد الغزي أنه وفدَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "مرحبًا بقوم شعيب وأختان ¬أختان: كل ما كان من قِبل المرأة كأبيها وأخيها.¥ موسى هُدِيت" ¬أخرجه الطبراني (المعجم الكبير 7/ 55 ح 6364)، قال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ح 6590).¥.
وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن مرة عن أبي عبيدة.¥.
وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.
وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى -عليه السلام- بمدة طويلة لأنه قال لقومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89] وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل -عليه السلام- بنصِّ القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى -عليه السلام- مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد.
وما قيل: إن شعيبًا عاش مدة طويلة، إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينصَّ على اسمه في القرآن ههنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبًا إن شاء الله، ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثيرون ¬أخرجه ابن أبي حاتم كما في الرواية السابقة.¥، والله أعلم.
قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ثيرون هو ابن أخي شعيب -عليه السلام- ¬أخرجه ابن أبي حاتم بالسند المتقدم دون ذكر ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكذا أخرجه الطبري.¥.
وعن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين ¬أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.¥، رواه ابن جرير به، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحُجَّة في ذلك ¬ذكره الطبري بنحوه.¥.