تفسير ابن كثير
{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48)}
يقول تعالى مخبرًا عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -، قالوا على وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد: {لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} الآية، يعنون -والله أعلم- من الآيات كثيرة مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وتنقيص الزروع والثمار، مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى على يدي موسى -عليه السلام- حجة وبرهانًا له على فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)} [يونس]، وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)} [المؤمنون]، ولهذا قال ههنا: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أي: أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} أي: تعاونا {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} أي: بكل منهما كافرون، ولشدة التلازم والتصاحب والمقاربة بين موسى وهارون، دل ذكر أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر:
فما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني
أي: فما أدري يليني الخير أو الشر.
قال مجاهد بن جبر: أمرت اليهود قريشًا أن يقولوا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥، فقال الله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا} قال: يعني: موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم {تَظَاهَرَا} أي: تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الآخر؟ وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رزين في قوله: {سِحْرَانِ} يعنون: موسى وهارون ¬قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول أبي رزين أخرجه الطبري بسند صحيح كسابقه.¥، وهذا قول جيد قوي، والله أعلم.
وقال مسلم بن يسار عن ابن عباس: {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} قال: يعنون: موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلم بن يسار به.¥، وهذه رواية الحسن البصري ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين بن داود، وهو ضعيف.¥.
وقال الحسن وقتادة: يعني: عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول الحسن تقدم في سابقه.¥، وهذا فيه بعد، لأن عيسى لم يجر له ذكر ههنا، والله أعلم.
وأما من قرأ: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} ¬كلتاهما قراءتان متواترتان.¥ فقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يعنون: التوراة والقرآن ¬كذا في الأصول الخطية وفي تفسير ابن أبي حاتم، والطبري بسند ثابت عن علي به بلفظ: التوراة والفرقان، وأما قول العوفي عن عباس فقد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف بلفظ: "هم أهل الكتاب".¥، وكذا قال عاصم [الجحدري] ¬كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي النسخ الخطية صحف إلى: "الجندي".¥ والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.¥.
قال السدي: يعني: صدّق كل واحد منهما الآخر.
وقال عكرمة: يعنون: التوراة والإنجيل، وهو رواية عن أبي رزين ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي رزين.¥، واختاره ابن جرير.
وقال الضحاك وقتادة: الإنجيل والقرآن ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر عن الضحاك.¥، والله -سبحانه وتعالى- أعلم بالصواب، والظاهر على قراءة "سحران" أنهم يعنون: التوراة والقرآن، لأنه قال بعده: {فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ} وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} إلى أن قال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 91 - 92]، وقال في آخر السورة: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} إلى أن قال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)} [الأنعام]، قالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي} [الأحقاف: 30]، وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ¬أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ح 3، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي ح 252).¥.
وقد عُلم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتابًا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران -عليه السلام-، وهو الكتاب الذي قال الله فيه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44]، والإنجيل إنما أنزل متممًا للتوراة، ومحلًا لبعض ما حرم على بني إسرائيل، ولهذا قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49)} أي: فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل.