تفسير ابن كثير
{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(9)}
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} قال مجاهد: عن الحق ¬أخرجه الطبري والبستي وابن أبي حاتم (كما في تغليق التعليق 5/ 190) بإسنادين يقوي أحدهما الآخر.¥.
{وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} قال مجاهد: عن الحق فهم يترددون ¬أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥.
وقال قتادة: في الضلالات ¬أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.¥.
وقوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} أي: أغشينا أبصارهم عن الحق {فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه.
قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقرأ "فأعشيناهم" بالعين المهملة من العشاء، وهو داء في العين ¬ذكره الطبري تعليقًا بنحوه، ووصله البستي بسند ضعيف جدًا فيه خارجة بن مصعب عن رجل مجهول، وخارجة متروك يدلس عن الكذابين (التقريب ص 186).¥.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)} [يونس] ثم قال: من منعه الله تعالى لا يستطيع ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.¥.
وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} إلى قوله: {فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} قال: وكانوا يقولون هذا محمد، فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره ¬أخرجه الطبري من طريق عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، وهو مرسل.¥، رواه ابن جرير.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكًا فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها. وخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرأ {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2)} حتى انتهى إلى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)} وانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحاجته، وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا، قال: قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابًا، ثم ذهب لحاجته، فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - قول أبي جهل فقال: "وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحًا وإنه أحدهم" ¬ذكره ابن هشام (السيرة 2/ 95) ولبعضه شواهد في السيرة النبوية الشريفة.¥.