تفسير ابن كثير
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)}.
يقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين، الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: على فترة من الرسل؛ أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟
فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي ¬قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول سلمان أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق 47/ 485).¥.
وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة ¬أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.¥.
وقال معمر، عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.¥.
وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة ¬أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري.¥. [وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى - عليه السلام - عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعمائة وثلاثة وثلاثون سنة] ¬تاريخ ابن عساكر 47/ 484 - 485.¥ ¬ما بين معقوفين زيادة من (حم) و (مح).¥ والمشهور هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)} [الكهف] أي: قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى بن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أولى الناس بابن مريم لأنا ليس بيني وبينه نبي" ¬صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ... } [مريم: 16] (ح 3442)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى - عليه السلام - (ح 2365).¥.
وهذا فيه ردّ على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره، والمقصود أن الله بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين.
كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حماد المجاشعي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب ذات يوم، فقال في خطبته "وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله - عزَّ وجلَّ - نظر إلى أهل الأرض فمقتهم: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من بني إسرائيل، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرأه نائمًا ويقظانَ، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت: يا رب إذن [يثلَغوا] ¬أي: يشدخوه ويشجّوه.¥ ¬كذا في (حم) و (مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: "تبلغي" وهو تحريف.¥ رأسي فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، [واغزُهم نُغزك] ¬أي: نعينك.¥ ¬كذا في (حم) و (مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: "واعزهم بعزك"، وهو تصحيف.¥ وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسًا أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق متصدق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ذو عيال متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دين له، والذين هم فيكم تبع أو تبعًا - شك يحيى - لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخيل أو الكذاب، والشنظير الفاحش" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 162)، وأخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح 2865).¥.
ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، وفي رواية شعبة عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة عنه، ثم رواه هو عن روح، عن عوف، عن حكيم الأثرم، عن الحسن قال: حدثني مطرف، عن عياض بن حمار فذكره. ورواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به ¬نفس المصدرين السابقين والسنن الكبرى، فضائل القرآن، باب قراءة القرآن على كل الأحوال (ح 8071).¥.
والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل" وفي لفظ مسلم: من أهل الكتاب ¬المصدر السابق في صحيح مسلم.¥ وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} أي: لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قال ابن جرير: معناه إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني.