تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}.
وهذا خبرٌ من الله عزَّ ذكرُه عن قولِ موسى - صلى الله عليه وسلم - لقومه من بني إسرائيلَ، وأمرِه إيَّاهم عن أمرِ اللهِ إِيَّاه، يأمُرُهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الأرضِ التي عناها بالأرضِ المقدَّسةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الطورَ وما حولَه.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ}: الطورَ وما حولَه ¬تفسير مجاهد ص 305.¥.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ}. قال: الطورَ وما حولَه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 69، عن سفيان به.¥.
وقال آخرون: هو الشَّامُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ}. قال: هي الشامُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 186، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 270 إلى عبد بن حميد.¥.
وقال آخرون: هي أرضُ أرِيحا.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}. قال: أريحا ¬ذكره القرطبي في تفسيره 6/ 125، وأبو حيان في البحر المحيط 3/ 454.¥.
حدثني موسى ¬في م: "يوسف".¥ بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: هي أريحا ¬ذكره القرطبي في تفسيره 6/ 125، وأبو حيان في البحر المحيط 3/ 454، وينظر تفسير البغوي 3/ 35.¥.
حدثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سعيدٍ ¬في م: "سعيد". وينظر ما تقدم في 1/ 647.¥، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي أريحا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 69 عن سفيان به، وينظر التبيان 3/ 482، وتفسير القرطبي 6/ 125، وقال ابن كثير: وفي هذا نظر؛ لأن أريحا ليست هي المقصود بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس وقد قدموا من بلاد مصر ... إلا أن يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس ... لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغور شرقى بيت المقدس. وينظر تفسير ابن كثير 1/ 139.¥.
وقيل: إن الأرض المقدَّسةَ دمَشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأُرْدنِّ.
وعنى بقولِه: {الْمُقَدَّسَةَ}. المطهرةَ المباركةَ.
كما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ}. قال: المباركةَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 270 إلى المصنف.¥.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: هي الأرضُ المقدَّسةُ. كما قال نبيُّ اللهِ موسى - صلى الله عليه وسلم -، لأن القولَ في ذلك بأنها أرض دونَ أرضٍ، لا تُدرَكُ حقيقةُ صحتِه إلا بالخبرِ، ولا خبرَ بذلك يجوزُ قطع الشهادةِ به، غيرَ أنها لن تخرُجَ من أن تكونَ من الأرضِ التي ما بينَ الفراتِ وعريشِ مصرَ؛ لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ والسيرِ والعلماءِ بالأخبارِ على ذلك.
ويعنى بقولِه: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}: التي أَثْبَت في اللوحِ المحفوظِ أنها لكم مساكنُ ومنازلُ، دونَ الجبابرةِ التي فيها.
فإن قال قائلٌ: فكيف قال: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}. وقد عِلمتَ أنهم لم يدخُلوها بقولِه: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ}. فكيف يكونُ مُثْبَتًا في اللوحِ المحفوظِ أنها مساكنُ لهم ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، ومحرَّمًا عليهم سُكْنَاها؟
قيل: إنها كُتِبت لبنى إسرائيلَ دارًا ومساكنَ، وقد سكَنوها ونزَلوها، وصارت لهم كما قال اللهُ جلَّ وعزّ، وإنما قال لهم موسى: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}. يعنى بها: كتَبها اللهُ لبنى إسرائيلَ، وكان الذين أمَرهم موسى بدخولِها من بنى إسرائيلَ، ولم يعنِ - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى ذكرُه كتَبها للذين أمرَهم بدخولِها بأعيانِهم.
ولو قال قائلُ: قد كانت مكتوبةً لبعضِهم ولخاصٍّ منهم، فأُخْرِج الكلامُ على العمومِ والمرادُ منه الخاصُّ، إذ كان يُوشَعُ وكالبُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "كلاب". وينظر ما تقدم في 4/ 418.¥ قد دخَلاها، وكانا ممن خُوطِب بهذا القولِ - كان أيضا وجهًا صحيحًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاقَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ: {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}: التي وهَبَ اللهُ لكم ¬ذكره الطوسى في التبيان 3/ 482، والبغوى في تفسيره 3/ 36، وأبو حيان في البحر المحيط 3/ 454.¥.
وكان السُّديُّ يقولُ: معنى {كَتَبَ} في هذا الموضعِ بمعنى "أمَر".
حدَّثنا بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}: التي أمَركم اللهُ بها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 270 إلى المصنف، وينظر تفسير البغوي 3/ 36، والبحر المحيط 3/ 454.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)}.
وهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قيلِ موسى عليه السلامُ لقومِه من بنى إسرائيلَ، إذ أمَرهم عن أمرِ اللهِ عزَّ ذكرُه إِيَّاه بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، أنه قال لهم: امْضُوا أيها القومُ لأمرِ اللهِ الذي أمَركم به من دخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، {وَلَا تَرْتَدُّوا}. يقولُ: لا ترجِعوا القَهْقَرَى مرتدِّين {عَلَى أَدْبَارِكُمْ}. يعنى: إلى ورائِكم، ولكن امْضُوا قُدُمًا لأمرِ اللهِ الذي أمَركم به من الدخولِ على القومِ الذين أمَركم اللهُ بقتالِهم، والهجومِ عليهم في أرضِهم، وأن الله عزَّ ذكرُه قد كتَبها لكم مسكنًا وقرارًا.
ويعنى بقولِه: {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}. أي ¬في ص، م، ت 2، ت 3، س: "أنكم".¥: تنصرِفوا خائبين هُلِّكًا ¬في ص، م، ت 2، ت 3، س: "هكذا".¥.
وقد بيَّنا معنى الخَسَارةِ في غيرِ هذا الموضعِ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 442.¥.
فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ قيلِ موسى لقومِه إذ أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ: {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}. أَوْ يَستوجبُ الخسارةَ من لم يدخُلْ أرضًا جُعِلت له؟
قيل: إن الله عزَّ ذكرُه كان أمَرهم ¬في م، ت 2، س: "أمره".¥ بقتالِ مَن فيها من أهلِ الكفرِ به، وفرَض عليهم دخولَها، فاسْتَوْجَب القومُ الخسارةَ بتركِهم إذن فرضَ اللهِ عليهم من وجهين؛ أحدُهما، تضييعُ فرضِ الجهادِ الذي كان اللهُ عَزَّ ذِكرُه فرَضه عليهم. والثاني، خلافُهم أمَر اللهِ في تركِهم دخولَ الأرضِ، وقولِهم لنبيِّهم موسى - صلى الله عليه وسلم - إذ قال لهم: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} -: {وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}: أُمِروا بها كما أُمِروا بالصلاةِ والزكاةِ والحجِّ والعمرةِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 270 إلى عبد بن حميد.¥.