تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ}.
وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن جوابِ قومِ موسى لموسى ¬سقط من: م.¥ عليه السلامُ، إذ أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، أنهم أَبَوْا عليه إجابةً إلى ما أمَرهم به من ذلك. واعتلُّوا عليه في ذلك بأن قالوا: إن في الأرضِ المقدسةِ التي تأمُرُنا بدخولِها قومًا جبَّارين، لا طاقةَ لنا بحربِهم، ولا قوةَ لنا بهم. وسمَّوهم جبَّارين لأنهم كانوا بشدةِ بطشِهم، وعظيمِ ¬في ص: "عظم".¥ خَلْقِهم، فيما ذُكِر لنا، قد قهَروا سائرَ الأممِ غيرِهم.
وأصلُ الجبَّارِ المصلحُ أمرَ نفسِه و ¬في ص: "أو".¥ أمرَ غيرِه، ثم اسْتُعْمِل فِي كُلِّ مَنِ اجْتَرَّ نفعًا إلى نفسِه بحقٍّ أو باطلٍ، طلَبِ الإصلاحِ لها ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بها".¥، حتى قيل للمتعدِّى إلى ما ليس له، بغيًا على الناسِ، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربِّه: جبَّارٌ. وإنما هو فعَّالٌ، من قولِهم: جبرَ فلانٌ هذا الكسرَ، إِذا أَصْلَحه ولأَمَه. ومنه قولُ الراجزِ ¬هو العجاج، والبيتان في ديوانه ص 4.¥:
قد جَبَرَ الدِّينَ الإِلهُ فَجَبَرْ
وعوَّرَ الرحمنُ مَن ولَّى العَوَرْ ¬العَوَر: قبح الأمر وفساده. اللسان (ع و ر).¥
يريدُ: قد أَصْلَح الدينَ الإلهُ فصلَح. ومن أسماءِ اللهِ تعالى ذكرُه الجبَّارُ؛ لأنه المصلحُ أمرَ عبادِه، القاهرُ لهم بقدرتِه.
ومما ذُكِّرْتُه من عِظَمِ خَلْقِهم ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قصةٍ ذكَرها من أمرِ موسى وبنى إسرائيلَ، قال: ثم أمَرهم بالسيرِ إلى أَرِيحا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منهم بعَث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميعِ أسباطِ بني إسرائيلَ، فساروا يَريدون أن يأتوه بخبرِ الجبَّارين، فلَقِيهم رجلٌ من الجبارين يقالُ له: عاجٌ ¬في م: "عوج".¥. فأخذ الاثنى عشَرَ فجعَلهم في حُجْزتِه، وعلى رأسِه حَمْلةُ حَطَبٍ، وانطَلَق بهم إلى امرأتِه، فقال: انظُرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعُمون أنهم يريدون أن يقاتِلونا! فطرَحهم بين يديها، فقال: ألا أطحَنُهم برجلي؟ فقالت امرأتُه: لا، بل خلِّ عنهم حتى يُخْبِروا قومَهم بما رأَوا. ففعَل ذلك ¬تقدم تخريجه في ص 237.¥.
حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال أبو سعدٍ ¬في م: "سعيد".¥: قال عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أُمِر موسى أن يدخُلَ مدينةَ الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزَل قريبًا من المدينةِ، وهى أريحا، فبعَث إليهم اثنى عشَرَ عَيْنًا ¬في س: "نقيبا".¥، من كلِّ سِبْطٍ منهم عينًا؛ ليأتوه بخبرِ القومِ. قال: فدخَلوا المدينةَ فرأَوْا أمرًا عظيمًا من هيئتِهم وجثثِهم وعِظَمِهم، فدخَلوا حائطًا لبعضِهم، فجاء صاحبُ الحائطِ ليجتنىَ الثمارَ من حائطِه، فجعَل يجتنى الثمارَ وينظرُ إلى آثارِهم، فتَتَبَّعَهم، فكلما أصاب واحدًا منهم أخَذه فجعَله في كُمِّه مع الفاكهةِ ¬في تفسير ابن كثير: "حتى التقط الاثنى عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة".¥، وذهَب إلى ملكِهم فنثَرهم بين يديه، فقال الملكُ: قد رأيتم شأنَنا وأمرَنا، اذهبوا فأخبِروا صاحبَكم. قال: فرجَعوا إلى موسى فأخبَروه بما عاينوا من أمرِهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 70 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 270 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ}: ذُكِر لنا أنهم كانت لهم أجسامٌ وخِلَقٌ ليست لغيرِهم ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 187، 188 عن معمر عن قتادة نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 270 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: إن موسى عليه السلامُ قال لقومِه: إنى سأبعَثُ رجالًا يأتونني بخبرِهم. وإنه أخَذ من كلِّ سِبْطٍ رجلًا، فكانوا اثنى عشَرَ نقيبًا، فقال: سيروا إليهم، وحدِّثوني حديثَهم، وما أمرُهم، ولا تخافوا إن الله معكم، ما أَقَمْتم الصلاةَ، وآتيتم الزكاةَ، وآمنتم برسلِه، وعزَّرتموهم، وأقرضتم الله قرضًا حسنًا. و ¬في م: "ثم".¥ إن القومَ ساروا حتى هجَموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسامٌ عَجَبٌ، عِظَمًا وقوةً، وإنه - فيما ذُكِر - أَبْصَرهم أحدُ الجبَّارين، وهم لا يألون أن يُخْفُوا أَنفسَهم حينَ رأَوا العَجَبَ، فأَخَذ ذلك الجبارُ منهم رجالًا، فأتى رئيسَهم فألقاهم قُدَّامَه، فعجِبوا وضحِكوا منهم، فقال قائلٌ منهم: إن هؤلاء زعَموا أنهم أرادوا غزوَكم. وأنه لولا ما دفَع اللهُ عنهم لقُتِلوا، وأنهم رجَعوا إلى موسى عليه السلامُ فحدَّثوه العَجَبَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا}: من كلِّ سِبْطٍ من بنى إسرائيلَ رجلٌ، أَرْسَلهم موسى إلى الجبَّارين، فوجَدوهم يدخُلُ في كمِّ أحدِهم اثنان منهم، يُلْقونهم إلقاءً، ولا يحمِلُ عنقودَ عِنبِهم إلا خمسةُ أنفسٍ بينَهم في خَشبةٍ، ويدخُلُ في شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إذا نُزِع حبُّها خمسةُ أنفسٍ أو أربعةٌ ¬تفسير مجاهد ص 303.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد نحوه ¬قد رد ابن كثير هذه الآثار الواردة في عظم خلق هؤلاء الجبارين وقال: وكل هذا من وضع جهال بني إسرائيل ... ثم لو كان هذا صحيحا، لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله تعالى على نكولهم ... البداية والنهاية 2/ 126، 127 وينظر 1/ 266، 267، والتفسير 3/ 70.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ وزيرِ بن قيسٍ، عن أبيه، عن جُويبرٍ، عن الضَّحاكِ: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ}. قال: سِفْلةٌ لا خَلاقَ لهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)}.
وهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قولِ قومِ موسى لموسى جوابًا ¬بعده في ت 1: "له".¥ لقولِه لهم: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}. فقالوا: {وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا}. يعنون: من الأرضِ المقدَّسةِ - الجبَّارون الذين فيها. جبنًا منهم، وجزَعًا من قتالِهم. وقالوا له: إن يخرُجْ منها هؤلاء الجبَّارون دخَلناها، وإلا فإنا لا نُطيقُ دخولَها وهم فيها؛ لأنه لا طاقةَ لنا بهم ولا يدان ¬في م: "يد"، ولا يدان ولا يد: لا قُوّة. اللسان (ى د ى).¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، أن كالِبَ بنَ يوفنا ¬في م: "يوقنا".¥ أَسْكَت الشَّعبَ عن موسى - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم: إنا سنعلو الأرضَ ونرثُها، وإن لنا بهم قوةً. وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيعُ أن نصِلَ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "نصعد".¥ إلى ذلك الشعبِ، من أجلِ أنهم أجرأُ منا. ثم إن أولئك الجواسيسَ أَخْبَروا بنى إسرائيلَ الخبرَ، وقالوا: إنا مررنا في أرضِ وأحسَسناها، فإذا هي تأكُلُ ساكنَها، ورأينا رجالَها جِسامًا، ورأينا الجبابرةَ بنى الجبابرةِ، وكنا في أعينِهم مثلَ الجرادِ. فأُرْجِفت الجماعةُ من بنى إسرائيلَ، فرفَعوا أصواتَهم بالبكاءِ، فبكَى الشعبُ تلك الليلةَ، ووَسْوسوا ¬الوسوسة: الصوت الخفى من ريح، وصوت الحلى، وهى أيضا الكلام الخفى في اختلاط، والمراد أنهم أكثروا من اللغط والشغب عليهما وتذمروا. ينظر اللسان (و س س) وينظر ما سيأتي في ص 312، 313.¥ على موسى وهارونَ، فقالوا لهما: يا ليتنا متنا في أرضِ مصرَ، وليتنا نموتُ في هذه البرِّيَّةِ، ولم يُدْخِلْنا اللهُ هذه الأرضَ لنقعَ في الحربِ، فتكونَ نساؤُنا وأبناؤُنا وأثقالُنا غنيمةً، ولو كنا قعودًا في أرضِ مصرَ كان خيرًا لنا. وجعَل
الرجلُ يقولُ لأصحابهِ: تعالوْا نجعَلْ علينا رأسًا وننصرِفْ إلى مصرَ.