تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)}.
يَعْنِى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {فَطَوَّعَتْ}: فآتَتْه ¬في م: "فأقامته"، وفى س: "فسولت له". وآتاه على الأمر: طاوعه، وأتيته على ذلك الأمر مؤاتاة، إذا وفقته وطاوعته، والعامة تقول: واتيته. وهى لغة أهل اليمن. ينظر اللسان (أ ت ى).¥ وساعَدَته عليه. وهو "فَعَلَتْ" مِن الطَّوْع، مِن قولِ القائلِ: طَاعَنى هذا الأمرُ. إذا انْقادَ له.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: فشَجَّعَتْ له نفسُه قتلَ أخيه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ ومحمدُ بنُ حميدٍ، قالا: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عن ¬سقط من: النسخ، وتقدم في 1/ 508.¥ ابن أبي ليلى، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}. قال: شَجَّعَتْ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}. قال: فشَجَّعَتْه ¬تفسير مجاهد ص 306 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 275 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. وتقدم أوله في ص 319.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ}. قال: شَجَّعَته على قتلِ أخيه.
وقال آخرون: معنى ذلك: زَيَّنَتْ له.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ}. [قال: زَيَّنَتْ له نفسُه] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ قتل أخيه فقَتَلَه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 275 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
ثم اخْتَلَفوا في صفةِ قَتْلِهِ إيَّاه، كيف كانت، والسببِ الذي مِن أجلِه قَتَلَه؛ فقال بعضُهم: وجَدَه نائمًا فشدَخ رأسه بصَخْرَةٍ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناس مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ}: فطَلَبَه ليقتُلَه، فراغ الغلامُ منه في رءوسِ الجبالِ، وأتاه يومًا مِن الأيام وهو يرعى غنمًا له في جبلٍ وهو نائمٌ، فرفَع صخرةً فشدَخ بها رأسَه، فمات، فترَكه بالعراءِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 138، وسيأتي تمامه في ص 341.¥.
وقال بعضهم ما حدثني محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ، قال: سَمِعتُ أَشْعَثَ السِّجِسْتانيَّ، يقولُ: سَمِعتُ ابنَ جُرَيجٍ قال: ابن آدمَ الذي قتل صاحبَه لم يَدْرِ كيف يَقْتُلُه، فتَمَثَّل إبليسُ له في هيئةِ طيرٍ، فأخَذ طيرًا فقطَع ¬في م: "فقصع". وقَصَع الغلامَ أو قصَع هامَتَه: ضرَبَه أو ضَرَبَها يبسط كَفِّه على رأسه. تاج. العروس (ق ص ع).¥ رأسَه، ثم وضَعه بينَ حَجَرَيْن، فشدَخ رأسَه، فعَلَّمَه القتلَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 275 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قتَله حيثُ يرعى الغنمَ، فأتاه ¬في م: "فأتى".¥ فجعَل لا يدرى كيف يَقْتُلُه، فلَوَى برقبتِه وأخَذ برأسِه، فنزَل إبليسُ، وأخَذ دابَّةً أو طيرًا، فوضَع رأسَه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخرَ فَرَضَحْ به رأسَه، وابنُ آدمَ القاتلُ يَنْظُرُ، فأخَذ أخاه، فوضَع رأسَه على حجرٍ، وأخذ حجرًا آخرَ فرضَخ به رأسَه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا يقولُ. فذكَر نحوَه ¬ينظر التبيان 3/ 497.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لَمَّا أَكَلَتِ النارُ قُرْبانَ ابن آدمَ الذي تُقُبِّل قربانُه، قال الآخَرُ لأخيه: أتَمْشى في الناسِ وقد علِموا أنك قَرَّبتَ قربانًا فتُقُبِّل منك ورُدَّ عليَّ! واللهِ لا يَنْظُرُ الناسُ إلى وإليك وأنت خيرٌ منى. فقال: لأَقْتُلَنَّك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبَّلُ اللهُ مِن المتَّقِين. فخوَّفه بالنارِ، فلم يَنْتَهِ ولم يَنْزَجِرْ، {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ¬تقدم تخريجه في ص 319.¥.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ، قال: أقبلتُ مع سعيدِ بن جبيرٍ أرمى الجَمْرَةَ وهو مُتَقَنِّعٌ مُتَوَكِّئٌ على يدى، حتى إذا وازَيْنا بمنزلِ سَمُرَةَ الصرَّافِ ¬في تاريخ المصنف: "الصواف"، وسمرة الصراف هذه ذكرها الفاكهي في أخبار مكة 5/ 124.¥، وقَف فحَدَّثني ¬في م، ت 2، ت 3: "يحدثني".¥ عن ابن عباسٍ، قال: نهى أن يَنْكِحَ المرأةَ أخوها تُؤْمُها ¬في م: "توءمها". وينظر ما تقدم في ص 321.¥، ويَنْكِحُها غيرُه مِن إخوتها، وكان يُولَدُ في كلِّ بطن رجلٌ وامرأةٌ، فوُلِدَت امرأةٌ وَسيمةٌ، ووُلِدت امرأةٌ دَميمةٌ قَبيحةً، فقال أخو الدَّميمةِ: أَنكِحْنى أُخْتَك وأُنْكِحَك أختى. قال: لا، أنا أحقُّ بأختى. فقرَّبا قربانًا، فتُقُبِّل مِن صاحبِ الكبشِ، ولم يُتَقَبَّلْ من صاحبِ الزرعِ، فقَتَلَه، فلم يَزَلْ ذلك الكبشُ محبوسًا عندَ اللهِ حتى أَخْرَجه في فداءِ إسحاقَ ¬الصحيح أن المفدى هو إسماعيل وليس إسحاق، عليهما السلام، وستأتى الآثار بذلك في موضعها في تفسير سورة "الصافات"، وينظر تعليقنا عليه هناك.¥، فذبَحه على هذا الصفا في ثَبِيرٍ ¬ثبير: جبل بظاهر مكة. ين
ظر التاج (ث ب ر).¥ عندَ منزلِ سَمُرَةَ الصرَّافِ، وهو على يمينك حينَ تَرْمى الجمار. قال ابن جُريجٍ: وقال آخرون بمثلِ هذه القصةِ. قال: فلم يَزَلْ بنو آدمَ على ذلك حتى مضَى أربعةُ آباءِ، فنكَح ابنةَ عمِّه، وذهَب نكاحُ الأخواتِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 139، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 49/ 39 من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبيه عن سعيد بن جبير بنحوه.¥.
وأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إِن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه قد أَخْبَر عن القاتلِ أنه قتَل أخاه، ولا خبرَ عندَنا يَقْطَعُ العذرَ بصِفَةِ ¬في م، ت 2، ت 3: "بصفته".¥ قَتْله إيَّاه، وجائزٌ أن يكونَ على نحوِ ما قد ذكَر السُّديُّ في خبرِه، وجائزٌ أن يكونَ كان على ما ذكَره مجاهدٌ، واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان، غيرَ أن القتلَ قد كان، لا شَكّ فيه.
وأما قوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. فإن تأويلَه: فَأَصْبَح القاتلُ أخاه مِن ابْنَيْ آدمَ، مِن حزبِ الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتَهم بدنياهم، بإيثارِهم إيَّاها عليها، فوُكِسوا في بَيْعِهم ¬في ص، س: "سعيهم".¥ وعُبِنوا فيه، وخابوا في صَفْقَتِهم.