تفسير ابن كثير
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)}. قال كثيرون من السلف في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} يعني: وأنتم محدثون، وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب، وقد قيل: إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله. قال: "إني عمدًا فعلته يا عمر" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 358)، وسنده صحيح.¥. وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، ووقع في سنن ابن ماجه عن سفيان، عن محارب بن دثار بدل علقمة بن مرثد، كلاهما عن سليمان بن بريدة به، وقال الترمذي: حسن صحيح ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد (ح 277)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد (ح 172).¥. وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل، حدثها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك كان يفعله حتى مات ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 225)، وصححه الحافظ ابن كثير.¥. وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عوف الحمصي، عن أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ثم قال أبو داود: ورواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فقال عبيد الله بن عمر ¬سنن أبي داود، الطهارة، باب السواك (ح 48)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 38).¥: يعني كما تقدم في رواية الإمام أحمد، وأيًا ما كان، فهو إسناد صحيح، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس، لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان به، والله أعلم، وفي فعل ابن عمر هذا ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور. وقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا [أزهر، عن ابن عون] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "أزهر بن عون" وهو تصحيف.¥، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن ابن عون به (المصنف 1/ 43)، وسنده صحيح.¥. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت مسعود بن علي الشيباني، سمعت عكرمة يقول: كان علي - رضي الله عنه - يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآية ¬هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيدها ومتونها، وحكم عليها الحافظ ابن كثير بأنها طرق جيدة.¥. وحدثنا ابن المثنى، حدثني وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: رأيت عليًا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث ¬هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيدها ومتونها، وحكم عليها الحافظ ابن كثير بأنها طرق جيدة.¥. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: أن عليًا اكتال من حب، فتوضأ وضوءًا فيه تجوز، فقال: هذا وضوء من لم يحدث ¬هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيدها ومتونها، وحكم عليها الحافظ ابن كثير بأنها طرق جيدة.¥. وهذه طرق جيدة عن علي يقوي بعضها بعضًا. وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس، قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءًا فيه تجوز خفيفًا، فقال: هذا وضوء من لم يحدث ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.¥. وهذا إسناد صحيح. وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وأما ما رواه أبو داود الطيالسي عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء ¬أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن أبي هلال عن قتادة به (المصنف 1/ 42)، وسنده حسن. وأبو هلال هو محمد بن سليم.¥، فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابًا فقد دلّت السنة على ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 132)، وسنده صحيح.¥. وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو بن عامر به ¬صحيح البخاري، الطهارة، باب الوضوء من غير حدث (ح 214).¥. وقال ابن جرير: حدثنا أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هريم، عن عبد الرحمن بن زياد - هو: الأفريقي -، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من توضأ على طهر، كتب له عشر حسنات" ورواه أيضًا من حديث عيسى بن يونس عن الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، فذكره ¬أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، وسنده ضعيف كما نقل الحافظ ابن كثير، بسبب ضعف عبد الرحمن بن زياد الأفريقي.¥، وفيه قصة. وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث الأفريقي به نحوه. وقال الترمذي: وهو إسناد ضعيف ¬سنن أبي داود، الطهارة، باب الرجل يجدد الوضوء، من غير حدث (ح 62)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة (ح 59) وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء على الطهارة (ح 512)، وسنده كسابقه.¥. وقال ابن جرير: وقد قال قوم: إن هذه الآية نزلت إعلامًا من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه - عليه السلام - كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ. حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراق البول نكلمه ولا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يردّ علينا، حتى نزلت آية الرخصة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآية ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه جابر وهو ابن زيد الجعفي ضعيف (مجمع الزوائد 1/ 281).¥، ورواه ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم، عن أبي كريب به نحوه، وهو حديث غريب جدًّا، وجابر هذا هو ابن زيد الجعفي ضعفوه. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من الخلاء فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب غسل اليدين عند الطعام ح 3760) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3197)، وحسنه البغوي (شرح السنة 11/ 283).¥ وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل - وهو ابن علية - به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن ¬سنن الترمذي، الأطعمة، باب في ترك الوضوء قبل الطعام (ح 1847) وقال: حسن صحيح، وسنن النسائي، الطهارة باب الوضوء لكل صلاة (1/ 85).¥. وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى الخلاء ثم إنه رجع فأتي بطعام، فقيل: يا رسول الله ألا تتوضأ؟ فقال: "لم أصل فأتوضأ" ¬صحيح مسلم، الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام ح 374.¥. وقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} على وجوب النية في الوضوء، لأن تقدير الكلام {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} لها كما تقول العرب: إذا رأيت الأمير فقم، أي له. وقد ثبت في الصحيحين حديث "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ¬صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي (ح 1) وصحيح مسلم، الإمارة، باب إنما الأعمال بالنية (ح 1907).¥، ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" ¬حسن بمجموع طرقه (ينظر: التلخيص الحبير 1/ 86، وإرواء الغليل ح 81)، ولهذا ذكر الحافظ ابن كثير أنه روي من طرق جيدة.¥، ويستحب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" ¬صحيح البخاري، الوضوء، باب الاستجمار وترًا (ح 162)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب كراهية غمس المتوضئ وغيره ... (ح 278).¥ وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، ولا اعتبار بالصلع ولا بالغَمَم إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا وفي النزعتين ¬النزعتان: جانبًا الجبهة (ينظر: المصباح المنير 2/ 268).¥ والتحذيف ¬التحذيف: ما يعتاد النساء تنحية الشعر عنه، وهو القدر الذي يقع في جانب الوجه (المصباح المنير 1/ 137).¥ خلاف: هل هما من الرأس أو الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض، قولان: (أحدهما): أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة. وروى في حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا مغطيًا لحيته فقال: "اكشفها فإن اللحية من الوجه" ¬ضعفه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير 1/ 68).¥ وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام: إذا نبتت لحيته طلع وجهه، ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جمرة، عن أبي وائل، قال: رأيت عثمان يتوضأ، فذكر الحديث، قال: وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل الذي رأيتموني فعلت ¬أخرجه الحاكم من طريق الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عامر بن شفيق ضعفه ابن معين (المستدرك 1/ 54)، وصححه غيره كما يلي:¥، رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه البخاري ¬سنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية (ح 31)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب ما جاء في تخليل اللحية (ح 430) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 345).¥. قال أبو داود: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المليح، حدثنا [الوليد بن زوران] ¬كذا في (مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل و (حم): "الوليد بن وردان" وهو تصحيف.¥ عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ، أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني به ربي - عزَّ وجلَّ - " ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب تخليل اللحية ح 145)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 132)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 149)، وصححه ابن القطان وابن الملقن البدر المنير 3/ 398).¥ تفرد به أبو داود، وقد روي هذا الوجه من غير وجه عن أنس، قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم عن علي وغيره، وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ثم عن النخعي وجماعة من التابعين ¬السنن الكبرى 1/ 54.¥. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك هل هما واجبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله أو مستحبان فيهما كما هو مذهب الشافعي ومالك، لما ثبت في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء صلاته: "توضأ كما أمرك الله" ¬سنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع (ح 861)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 767)، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح (ح 545)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 241).¥، أو يجبان في الغسل دون الوضوء كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من توضأ فليستنثر" ¬صحيح البخاري، الوضوء، باب الاستنثار في الوضوء (ح 161)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار (ح 237).¥، وفي رواية: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر" والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن [يسار] ¬كذا في (حم) و (مح) والمسند، وفي الأصل: "بشار" وهو تصحيف.¥، عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني يتوضأ ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 1/ 268)، وسنده صحيح.¥. ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به ¬صحيح البخاري، الوضوء، باب غسل الوجه واليدين في غرفة واحدة (ح 140).¥. وقوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} أي: مع المرافق كما قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ¬سنن الدارقطني 1/ 83، والسنن الكبرى 1/ 56، وضعفه الحافظ ابن حجر وذكر له شواهد يقوي بعضها بعضًا (الفتح 1/ 292) وصححه الألباني بشواهده (السلسلة الصحيحة ح 2067).¥. ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف، والله أعلم. ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المُجمِر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا مُحجَّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" ¬صحيح البخاري، الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور (ح 136)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة ... (ح 246).¥. وفي صحيح مسلم عن قتادة عن، خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء (ح 250).¥. وقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة. وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو: جد عمرو بن يحيى - وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه ¬صحيح البخاري، الوضوء، باب مسح الرأس كله (ح 185)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب في وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 235).¥. وفي حديث [عبد خير] ¬كذا في (حم) و (مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: "عبد حسين" وهو تصحيف.¥ عن علي في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا ¬أخرجه الإمام أحمد في (المسند 1/ 110).¥، وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معديكرب في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله ¬أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - ح 124)، وصححه الألباني (صحيح سنن أبي داود ح 115).¥، ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن. وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية، وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ولا يقدر ذلك بحد، بل لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه، واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة قال: تخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: هل معك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى خفيه، وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة (ح 274).¥ وغيره، فقال لهم أصحاب الإمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، ونحن نقول بذلك وأنه يقع عن الموقع، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة، والله أعلم. ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثًا، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه على قولين: فقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثًا، فغسلهما ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم 139)، وسنده صحيح.¥ أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق الزهري به نحو هذا ¬صحيح البخاري، الصيام، باب السواك الرطب واليابس للصائم (ح 1934)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب صفة الوضوء (ح 226).¥. وفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عثمان في صفة الوضوء: ومسح برأسه مرة واحدة ¬السنن، الطهارة، باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 108) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 99).¥، وكذا من رواية عبد خير عن علي مثله ¬¥. واحتج من استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلاثًا ¬تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية.¥. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن وردان، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ هكذا، وقال: "من توضأ دون هذا كفاه" ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - ح 107)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 98).¥ تفرد به أبو داود. ثم قال: وأحاديث عثمان في الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة. قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} قرئ وأرجلكم بالنصب عطفًا على فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها وأرجلكم، يقول: رجعت إلى الغسل ¬سنده صحيح.¥. وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد وإبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإبراهيم التيمي نحو ذلك ¬قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند حسن من طريق زر عنه، وقول عروة أخرجه الطحاوي بسند حسن من طريق هشام بن عروة عن أبيه (شرح معاني الآثار 1/ 40)، وقول عطاء أخرجه الطحاوي بسند حسن من طريق عبد الملك العرزمي عنه المصنف 1/ 20، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.¥. وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف. ومن ههنا ذهب من ذهب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه، ثم مسح رأسه، وغسل يديه، ثم وجهه، أجزأه ذلك، لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب، وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقًا، فمنهم من قال: الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إلى الصلاة، لأنه مأمور به بفاء التعقيب وهي مقتضية للترتيب، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولًا، ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل اثنان: أحدهما: بوجوب الترتيب كما هو واقع في الآية. والآخر يقول: لا يجب الترتيب مطلقًا، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإجماع حيث لا فارق. ومنهم من قال: لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب بل هي دالة كما هو مذهب طائفة من النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء، ثم نقول بتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب اللغوي هي دالة على الترتيب شرعًا فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما طاف بالبيت خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به" لفظ مسلم ¬صحيح مسلم، الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 1218).¥، ولفظ النسائي: "ابدؤوا بما بدأ الله به" ¬السنن الكبرى، الحج، باب الدعاء على الصفا (ح 3968)، وصححه الحافظ ابن كثير.¥ وهذا لفظ أمر، وإسناده صحيح، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعًا، والله أعلم. ومنهم من قال: لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دلّ ذلك على إرادة الترتيب، ومنهم من قال: لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" ¬أخرجه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب به بمعناه بلفظ: "هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم"، (السنن، الطهارة، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا ح 135)، ولعل الحافظ ابن كثير اعتمد على رواية لسنن أبي داود غير التي بين أيدينا.¥. قالوا: فلا يخلو إما أن يكون توضأ مرتبًا فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب فيجب عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب ما ذكرناه. وأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ: {وأرجلِكم} بالخفض ¬وهي قراءة متواترة كما أن قراءة النصب متواترة.¥، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين، لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح فقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة، إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنه ليس شيء من بني آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.¥. إسناد صحيح إليه. وقال ابن جرير: جدثنا علي بن سهل، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده أيضًا الحافظ ابن كثير.¥. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن ميسرة الخراساني ¬كذا في الأصل و (حم): "محمد بن ميسر"، وفي تفسير الطبري: محمد بن قيس. قال أحمد شاكر: أخشى أن يكون محرفًا (تفسير الطبري 10/ 58).¥ عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق ابن جريج أنه سمع عكرمة عن ابن عباس بلفظه (المصنف رقم 55) وسنده صحيح.¥. وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ¬أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده صحيح.¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} قال: هو المسح ¬سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان ولأن يوسف بن مهران: لين الحديث.¥. ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن علي والحسن في إحدى الروايات، وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات، نحوه ¬ما ورد عن علقمة أنه قرأ بالخفص وكذا عن مجاهد وقد أخرج أثرهما بسند ضعيف.¥. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: رأيت عكرمة، يمسح على رجليه، قال: وكان يقوله ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥. وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح ولعله يقصد نزول جبريل بالقراءة على الخفض "بأرجلِكم".¥، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلًا ويلغي ما كان مسحًا ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥. وحدثنا ابن أبي زياد، أخبرنا إسماعيل قلت لعامر: إن ناسًا يقولون: إن جبريل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبريل بالمسح. فهذه آثار غريبة جدًّا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف لما سنذكره من السُنّة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على المجاورة وتناسب الكلام كما في قول العرب: جُحْر ضَبّ خرب، وكقوله تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} [الإنسان: 21] وهذا ذائع شائع في لغة العرب سائغ. ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي رحمه الله. ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف كما وردت به السنة، وعلى كل تقدير فالواجب غسل الرجلين فرضًا لا بدّ منه للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بكوز من ماء فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضلته وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت، وقال: "هذا وضوء من لم يحدث" ¬أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى 1/ 75)، وهو حديث صحيح كما يلي.¥، رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه ¬أخرجه البخاري من طريق آدم وهو ابن أبي إياس به نحوه (الصحيح، كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا خ 5616).¥. ومن أوجب من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف فقد ضلّ وأضلّ، وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضًا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء، لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبّر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور، فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرت، والله أعلم، ثم تأملت كلامه أيضًا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: {بِوُجُوهِكُمْ} خفضًا على المسح وهو الدلك، ونصبًا على الغسل، فأوجبهما أخذًا بالجمع بين هذه وهذه.
ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بدّ منه: قد تقدم حديث أمير المؤمنين عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معديكرب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثًا، على اختلاف رواياتهم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل قدميه، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" ¬تقدم تخريج هذه الأحاديث في تفسير هذه الآية.¥. وفي الصحيحين من رواية أبي عوانة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته "أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار" ¬صحيح البخاري، العلم، باب من رفع صوته بالعلم (ح 60)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما (ح 241).¥ وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار" ¬صحيح مسلم، الباب السابق (ح 242).¥. وروى الليث بن سعد عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" رواه البيهقي والحاكم ¬سنن الدارقطني 1/ 95، والمستدرك 1/ 162، وصححه الحافظ ابن كثير.¥، وهذا إسناد صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب، أو شعيب بن أبي كرب، قال: سمعت جابر بن عبد الله وهو على جبل يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ويل للعراقيب من النار" ¬المسند 3/ 369، ويشهد له ما سبق.¥. وحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رِجل رَجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال: "ويل للأعقاب من النار" ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد به نحوه ¬المسند 3/ 390، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب غسل العراقيب (ح 454)، قال البوصيري: رجاله ثقات (مصباح الزجاجة 1/ 182).¥. وكذا رواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سيعد بن أبي كرب، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. ثم قال: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومًا يتوضؤون لم يصب أعقابهم الماء، فقال: "ويل للعراقيب من النار" ¬أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، ويشهد له ما سبق.¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عقبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ويل للأعقاب من النار" ¬المسند 3/ 426، في سنده أيوب بن عتبة فيه مقال ويشهد له ما سبق.¥ تفرد به أحمد. وقال ابن جرير: حدثني علي بن عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار". قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه، ينظر إليهما. وحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة أو عن أخي أبي أمامة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبصر قومًا يصلون، وفي عقب أحدهم أو كعب أحدهم، مثل موضع الدرهم أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: "ويل للأعقاب من النار". قال: فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئًا لم يصبه الماء، أعاد وضوءه ¬أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، ويشهد لهما ما سبق من الصحيح.¥. ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه هذه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى. وقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر، عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: "ارجع فأحسن وضوءك" ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة (ح 243).¥. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة، قال: حدثنا أنس بن مالك أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارجع فأحسن وضوءك" وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف وابن ماجه عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به ¬السنن الكبرى للبيهقي 1/ 70، وسنن أبي داود، الطهارة، باب تفريق الوضوء (ح 173)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب من توضأ فترك موضعًا ... (ح 665)، وجود إسناده الحافظ ابن كثير ويشهد له أيضًا الحديث السابق.¥. وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب. وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد عن الحسن: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بمعنى حديث قتادة ¬المصدر السابق في سنن أبي داود.¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بُحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد الوضوء ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 424)، وصححه الألباني ونقل عن الإمام أحمد أنه قال في إسناده: جيد، وعن ابن التركماني وابن القيم أنهما قويا الحديث (إرواء الغليل 1/ 126).¥. ورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة ¬سنن أبي داود، الطهارة، باب تفريق الطهارة (ح 175)، وصححه الحافظ ابن كثير.¥. وهذا إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم. وفي حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خلل بين أصابعه ¬تقدم تخريجه من الصحيحين في بداية تفسير هذه الآية عند مسألة الخلاف في استحباب تكرار مسح الرأس ثلاثا.¥. وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. فقال: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" ¬أخرجه أبو داود "السنن" الطهارة، باب في الاستنثار ح 142)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 129)، وأخرجه الترمذي (السنن، الصوم، باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم ح 788)، وسنن النسائي، الطهارة، باب المبالغة في الاستنشاق 1/ 66.¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال: قال أبو أمامة: حدثنا [عمرو] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "عمر" وهو تصحيف.¥ بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: "ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرجت خطاياه من فمه وخياشيمه، مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرّت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرّت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال أبو أُمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أُمامة، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك ¬أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند 4/ 112)، وسنده صحيح.¥. وهذا إسناد صحيح. وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: ثم يغسل قدميه كما أمره الله ¬صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - (ح 832).¥، فدلَّ على أن القرآن يأمر بالغسل. وهكذا روى أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم ¬أخرجه ابن أبي شيبة من طريق السبيعي به (المصنف 1/ 31)، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحارث وهو الأعور الهمداني.¥، ومن ههنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رش على قدميه الماء وهما في النعلين، فدلكهما ¬تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية.¥، إنما أراد غسلًا خفيفًا، وهما في النعلين، ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين. وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من روايته عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُباطةَ قوم ¬السباطة هي الكناسة أو هي الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ (النهاية 2/ 335).¥، فبال قائمًا ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.¥. وهو حديث صحيح وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: فبال قائمًا ثم توضأ ومسح على خفيه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥. قلت: ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان، وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني يعلى، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على نعليه وقدميه، ثم قام إلى الصلاة ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 8/ 4)، وأخرجه أبو داود من طريق هشيم عن يعلى به (السنن، الطهارة، باب المسح على الجوربين ح 160)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 145).¥. وقد رواه أبو داود عن مسدد وعباد بن موسى، كلاهما عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم، فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه ¬المصدر السابق.¥. وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية ومتعارضة، وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض القاطع عذر من انتهى إليه وبلغه ¬أخرجه الطبري من الطريقين مع التعليق.¥. ولما كان القرآن آمرًا بغسل الرجلين كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة الخفض عليه، توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح بعدما أسلمت ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 363)، والحديث متفق عليه كما يلي:¥، تفرد به أحمد. وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن همام قال: بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال الأعمش: قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، لفظ مسلم ¬صحيح البخاري، الصلاة، باب الصلاة في الخِفاف (ح 387)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب المسح على الخفين (ح 272).¥. وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشروعية المسح على الخفين قولًا منه وفعلًا، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير مع ما يحتاج إلى ذكره هناك من تأقيت المسح أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه. وقد خالفت الروافض في ذلك بلا مستند بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين (ح 276).¥، كما ثبت في الصحيحين عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن نكاح المتعة ¬صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح 4216)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ (ح 1407).¥ وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وفق ما دلت هذه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد، وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين فعندهم أنهما في ظهر القدم فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكرها الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة رحمهم الله: في كل قدم كعبان، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين من طريق حمران عن عثمان أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك ¬تقدم في تفسير هذه الآية عند ذكر الخلاف في استحباب مسح الرأس ثلاثًا.¥. وروى البخاري تعليقًا مجزومًا به ¬أخرجه البخاري موصولًا أيضًا مختصرًا بنحوه من حديث النعمان بن بشير (الصحيح، الأذان، باب تسوية الصفوف ح 717).¥ وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير قال: أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم - ثلاثًا - والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم" قال: فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه، لفظ ابن خزيمة ¬سنن أبي داود، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح 662)، وصحيح ابن خزيمة (ح 160)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 617).¥، فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم كما هو مذهب أهل السنة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن يحيى بن الحارث التيمي يعني الجابر، قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد ¬أي زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.¥، فوجدت الكعب فوق ظهر القدم ¬في سنده إسماعيل بن موسى تفرد عن شريك بأحاديث وهو صدوق يخطئ رمي بالرفض (ميزان الاعتدال 1/ 151، والتقريب 1/ 75)، وفي سنده أيضًا شريك وهو ابن عبد الله القاضي فيه مقال. ويحيى الجابر: لين الحديث كما في التقريب.¥. وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، [تنكيلًا] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "شكلًا" وهو تصحيف.¥ بهم في مخالفتهم الحق وإصرارهم عليه. وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} كل ذلك قد تقدم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته لئلا يطول الكلام، وقد ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك، لكن البخاري روى ههنا حديثًا خاصًّا بهذه الآية الكريمة فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل، فثنى رأسه في حجري راقدًا، فأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة، فتمنيت الموت لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني، وقد أوجعني، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية ¬كذا في صحيح البخاري، وفي النسخ: هذه الآية.¥، فقال أسيد بن الحضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] ح 467).¥. وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} أي: فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم، ورحمة بكم وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير. وقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا يحدث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة" قال: قلت: ما أجود هذا، فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها، فنظرت فإذا عمر - رضي الله عنه - فقال: إني قد رأيتك جئت آنفًا قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" لفظ مسلم ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (ح 234).¥. وقال مالك، عن نهشل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه، كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًا من الذنوب" رواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء (ح 244).¥. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو ذراعيه، إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح قريب من سند الإمام أحمد الذي صححه الحافظ ابن كثير كما يلي.¥ هذا لفظه. وقد رواه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه، وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه، وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه" قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 234)، وصححه الحافظ ابن كثير وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع 1/ 224).¥، وهذا إسناد صحيح. وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه" ¬أخرجه الطبري من طريق شمر به، وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال ويشهد له سابقه.¥. وروى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب فضل الوضوء (ح 223).¥. وفي صحيح مسلم من رواية سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صدقة من غلول ¬الغلول الخيانة.¥، ولا صلاة بغير طهور" ¬صحيح مسلم، الطهارة، باب وجوب الطهارة (ح 224).¥. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت فسمعته يقول: "إن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول" ¬مسند الطيالسي (ح 1319)، وسنده صحيح ويشهد له سابقه.¥ وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة ¬المسند 5/ 74، وسنن أبي داود، الطهارة، باب فرض الوضوء (ح 59)، وسنن النسائي، الزكاة، باب الصدقة من غلول 5/ 56.¥.