تفسير ابن كثير
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)}
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتَّى [أخضلوا] ¬كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل: "اخضبوا".¥ لحاهم ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به نحوه.¥.
وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة.
وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد مرسلة يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير وعن السدي.¥.
قال السدي: فهاجر النجاشي فمات بالطريق ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل تفرد به.¥.
وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر: سبعة قساوسة وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلًا، فاللّه أعلم.
وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف، ويشهد له ما سبق عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي.¥.
وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبه عن قتادة بنحوه.¥، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها.
فقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتَّى همّوا بقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مرة، وسموه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن السري، حَدَّثَنَا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حَدَّثَنَا علي بن سعيد العلاف، حَدَّثَنَا أبو النضر، عن [الأشجعي] ¬كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل صحف إلى: "الأشعي".¥، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله"، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حَدَّثَنَا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حَدَّثَنَا فرج بن عبيد، حَدَّثَنَا عباد بن العوام، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما خلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله" ¬أخرجه الخطيب البغدادي من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ثم قال: هذا حديث غريب جدًّا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة (تاريخ بغداد 8/ 316)، وضعفه ابن كثير.¥، وهذا حديث غريب جدًّا.
وقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: وَجَعَلنَا في قُلُوبِ {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً} [الحديد: 27] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} أي: يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، كراكب وركبان، وفرسان.
قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحدًا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدًا قول الشاعر:
لو عاينت رُهبان دير في القلل ... لانحدر الرهبان يمشي ونزل ¬ذكره في التفسير بلفظه مع الشاهد (10/ 53) ط. شاكر.¥
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا بشر بن آدم. حَدَّثَنَا نصير بن أبي الأشعث، حدثني الصلت الدهان، عن حامية ¬كذا في الأصل ومن ترجم له، وفي (مح): جاثمة. وهو تصحيف.¥ بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا" ¬أخرجه البزار بسنده ومتنه (البحر الزخار 6/ 499 ح 2537)، وسنده ضعيف لضعف نصير بن زياد (المجمع 7/ 17)، وكذلك فيه حامية بن رئاب سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير 3/ 118)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل 3/ 314).¥، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن نُصير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، عن سلمان به ¬وسنده ضعيف للعلل المتقدمة في سابقه.¥.
قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، حَدَّثَنَا نصير بن زياد الطائي، حَدَّثَنَا صلت الدهان، عن حامية بن رئاب قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} فقال: هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} فأقرأني "ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للعلل المتقدمة في سابقه.¥.
فقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع،