تفسير ابن كثير
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)}.
وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} أي فصلِّ له كقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} [الإسراء] {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ}.
قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه البخاري من طريق ابن أبي نجيح به بلفظ: "أن يُسبح في أدبار الصلوات كلها".¥. ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال - صلى الله عليه وسلم -: "أفلا أعلمكم شيئًا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" قال: فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" ¬أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة ح 843)، وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته (ح 595).¥. والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} هما الركعتان بعد المغرب، وروي ذلك عن عمر وعلي وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة وأبي أُمامة، وبه يقول مجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي والحسن وقتادة وغيرهم ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: "رشدين ضعفه أبو زرعة والدارقطني" (المستدرك 1/ 320) وضعف الحافظ ابن حجر رواية الطبري عن ابن عباس (الفتح 8/ 598)، ويشهد له ما يليه فقد أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف 2/ 523)، والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان عن أبي هريرة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.¥. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر، وقال عبد الرحمن: دبر كل صلاة. ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان الثوري به، زاد النسائي ومطرف، عن أبي إسحاق به ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 2/ 294 ح 1012) وقال محققوه: إسناده قوي. وأخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، الصلاة بعد العصر ح 1275)، والنسائي (في السنن الكبرى، الصلاة، باب اختلاف الناقلين لخبر أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، عن علي ح 341).¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بتُّ ليلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فصلى ركعتين خفيفتين اللتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال يا ابن عباس "ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود" ورواه الترمذي، عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ¬أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الطور ح 3275) وسندهما ضعيف لضعف رشدين. (التقريب ص 209).¥. وحديث ابن عباس، وأنه بات في بيت خالته ميمونة، وصلى تلك الليلة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة ركعة ثابت في الصحيحين وغيرهما ¬صحيح البخاري، الوضوء، باب التخفيف في الوضوء (ح 138) وليس فيه ذكر: ثلاث عشرة ركعة، وإنما ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس بلفظ: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة" (صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح 764).¥. فأما هذه الزيادة فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس موقوفًا عليه، والله أعلم.