تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}: التوراةَ والإنجيلَ، يَعْرِفون أنما هو إلهٌ واحدٌ، لا جماعةُ الآلهةِ، وأن محمدًا نبيٌّ مبعوثٌ، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ}.
وقولُه: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}. من نعتِ {الَّذِينَ} الأُولى.
ويعنى بقولِه: {خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}: أَهْلَكُوها وأَوْبَقوها ¬في م: "ألقوها".¥ في نارِ جهنمَ، بإنكارِهم محمدًا أنه للهِ رسولٌ مُرسَلٌ، وهم بحقيقةِ ذلك عارِفون، {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. يقولُ: فهم بخَسارتِهم بذلك أنفسَهم لا يُؤْمِنون.
وقد قيل: إن معنى خَسارتِهم أنفسَهم، أن كلَّ عبدٍ له منزلٌ في الجنةِ ومنزلٌ في النارِ، فإذا كان يومُ القيامةِ جعَل اللهُ لأهلِ الجنةِ منازلَ أهلِ النارِ في الجنةِ، وجعَل لأهلِ النارِ مَنازِلَ أهلِ الجنةِ في النارِ، فذلك خُسْرانُ الخاسرِين منهم؛ لبَيْعِهم منازلَهم مِن النارِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ من النارِ، بما فرَط منهم في الدنيا؛ مِن معصيتِهم الله، وظلمِهم أنفسَهم، وذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ¬ذكر هذا القول الفراء في معاني القرآن 1/ 329، وما سيذكره المصنف في تفسير هذه الآية في موضعه من التفسير.¥ [المؤمنون: 11].
وبنحوِ ما قلنا في معنى قولِه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ}. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ}: يَعْرِفون أن الإسلامَ دينُ اللهِ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير 4/ 1273 (7172) من طريق يزيد به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ}: النصارى واليهودُ، يَعْرِفون رسولَ اللهِ في كتابِهم، كما يَعْرِفون أبناءَهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 206، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1272 (7169، 7170) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى أبى الشيخ وحده، وفيه قال يعنى يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته معهم في التوراة، {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} لأنهم كفروا به بعد المعرفة.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ}: يعنى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. قال: زَعَم أهلُ المدينةِ عن ¬في ص، ت 1، ت 3، س: "من".¥ أهلِ الكتابِ ممن أسلَم أنهم قالوا: واللهِ لَنحن أعرفُ به مِن أبنائِنا، مِن أجلِ الصفةِ والنعتِ الذي نَجِدُه في الكتابِ، وأَمَّا أبناؤُنا فلا نَدْرِى ما أَحْدَثَ النساءُ.