تفسير ابن كثير
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)}
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} يعني: أباهم آدم، الذي هو أصلهم، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب! وقوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} يعني: الموت {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يعني: الآخرة ¬أخرجه الطبري والحاكم من طريق سعيد بن جبير به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 315).¥، وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم وعطية والسدي، ومقاتل بن حيان وغيرهم ¬بعض هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة كقول مجاهد وقتادة والحسن.¥.
وقول الحسن في رواية عنه: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} وهو ما بين أن يخلق إلى أن يموت {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث ¬أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي عن الحسن، وسنده ضعيف جدًّا بسبب أبي بكر الهذلي وهو متروك (التقريب ص 625)¥، هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسان وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها،! وانتقالها والمصير إلى الدار الآخرة، وعن ابن عباس ومجاهد، {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} يعني: مدة الدنيا ¬قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه.¥، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يعني: عمر الإنسان إلى حين موته، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} الآية [الأنعام: 60].
وقال عطية، عن ابن عباس {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} يعني: النوم، يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يعني: أجل موت الإنسان ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي به.¥، وهذا قول غريب.
ومعنى قوله: {عِنْدَهُ} أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] وكقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44)} [النازعات].
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} قال السدي وغيره: يعني: تشكون في أمر الساعة ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه.¥.