تفسير ابن كثير
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)}
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أي: أعرضوا عنه وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذًا بالله من مكره، ولهذا قال: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} أي: من الأموال والأولاد والأرزاق، {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أي: على غفلة، {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} أي: آيسون من كل خير.
قال الوالبي عن ابن عباس: المبلس الآيس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به.¥.
وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)} قال: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن البصري.¥، رواه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط، إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة.¥، رواه ابن أبي حاتم أيضًا.
وقال مالك، عن الزهري: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} قال: رخاء الدنيا ويسرها.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين - يعني: ابن سعد أبا الحجاج المهري -، عن حرملة بن عمران التُجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج" ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)} ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 145)، وفي سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف، وقد توبع في رواية الطبري فقد أخرجه عن أبي الصلت عن حرملة، وصححه الألباني كما يلي.¥ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر به ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة وابن حرملة وقد توبع ابن لهيعة كما في الرواية السابقة في المسند وتفسير الطبري، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة ح 413).¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عراك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "إذا أراد الله بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعًا، فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة" ¬سنده ضعيف للانقطاع بين ابن أبي عبلة وعبادة بن الصامت.¥.
{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} كما قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)}.