تفسير ابن كثير
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)}.
وقوله: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أي: فأكرمهم بردّ السلام عليهم، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا، {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ}.
قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل ¬تقدم نحوه وأمثاله في تفسير سورة النساء آية 17.¥.
وقال معتمر بن سليمان: عن الحكم بن أبان عن عكرمة، في قوله: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} قال: الدنيا كلها جهالة ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ثلاثة شيوخ عن معتمر بن سليمان به وسنده حسن.¥، رواه ابن أبي حاتم {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ} أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل، {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 2/ 313) وسنده صحيح.¥ أخرجاه في الصحيحين ¬تقدم تخريجه من الصحيحين في الآية 12 من هذه السورة.¥، وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه موسى عن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواه الليث وغيره، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وقد روى ابن مردويه من طريق الحكم بن [أبان] ¬كذا في (حم) و (مح) وترجمة الحكم، وفي الأصل: "وأبان" وهو تصحيف.¥، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابًا من تحت العرش، إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقًا لم يعملوا خيرًا، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله" ¬سنده حسن إذ له شواهد في سابقه في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري في آخره (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة] ح 7439).¥.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عاضم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} قال: إنا نجد في التوراة عطفتين، أن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة، أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تبح البقرة، وبها تثغو الشاة، وبها تتتابع الطير، وبها تتتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥، وقد روي هذا مرفوعًا من وجه آخر ¬أخرجه مسلم مرفوعًا من حديث سلمان - رضي الله عنه -، (الصحيح، التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى ح 2753).¥، وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضًا، قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل: "أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" ثم قال: "أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم" وقد رواه الإمام أحمد: من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ¬الحديث تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية 21.¥.