تفسير ابن كثير
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}.
وقوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله" {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)} [لقمان] ¬صحيح البخاري، التفسير، باب {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] (ح 4627).¥ وفي حديث عمر: أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي، فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما قاله له: "خمس لا يعلمهن إلا الله" ثم قرأ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية ¬صحيح البخاري، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 50).¥.
وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أي: محيط علمه الكريم بجميع الموجودات، بريها وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما أحسن ما قال الصّرصري:
فلا يخفى عليه الذر إمّا ... تراءى للنواظر أو توارى
وقوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)} [غافر].
وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، حدثنا حسان النمري، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} قال: ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها، يكتب ما يسقط منها ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حسان النمري ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير 3/ 35).¥، وقوله: {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}. [قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، حدثنا مالك بن سُعير، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلا وعليها ملك موكل، يأتي الله بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبوستها إذا يبست ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كما في "التقريب".¥. وكذا رواه ابن جرير عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني، عن مالك بن سعير به ¬أخرجه الطبري بسنده، وحكمه كسابقه.¥.
ثم قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن أبي حذيفة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق الله النون وهي الدواة، وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا، حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} إلى آخر الآية] ¬ما بين معقوفين ورد في الأصل بعد رواية ابن إسحاق والمثبت من (حم) و (مح).¥ ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه إبهام شيخ عمرو بن قيس، وتعليق ابن أبي حاتم.¥ قال محمد بن إسحاق: عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، ما لو أنهم ظهروا، - يعني لكم -، لم تروا معهم نورًا على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله - عز وجل -، على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله - عز وجل - إليه في كل يوم ملكًا من عنده أن احتفظ بما عندك ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وفي سنده عنعنة ابن إسحاق، والمتن فيه غرابة، وكأنه من أخبار بني إسرائيل ضمن الزاملتين اللتين أتى بهما عبد الله بن عمرو من اليرموك.¥.