تفسير ابن كثير
{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)}
وقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} أي: يقومون حفاة عراة غرلًا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه.
قال الإمام مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" ¬سنده صحيح من أعلى الأسانيد العالية لأنه ثنائي.¥. رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن عون كلاهما عن نافع به، ورواه مسلم من الطريقين أيضًا، وكذلك رواه أيوب بن يحيى وصالح بن كيسان وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر ومحمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر به ¬صحيح البخاري، التفسير، باب {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين] (ح 4938)؛ وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في صفة يوم القيامة (ح 2862).¥.
ولفظ الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يوم يقوم الناس لرب العالمين لعظمة الرحمن -عز وجل- يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 2/ 31) وسنده حسن.¥.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد؛ يعني: ابن الأسود الكندي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين -قال:- فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يُلجِمُه إلجامًا" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند 39/ 235 ح 23813).¥. رواه مسلم عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة والترمذي عن سويد، عن ابن المبارك، كلاهما عن ابن جابر به ¬صحيح مسلم، صفة الجنة ونعيمها، باب صفة يوم القيامة (ح 2864).¥.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، أن أبا عبد الرحمن حدثه، عن أبي أُمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا كذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند 36/ 523 ح 22186).¥. انفرد به أحمد.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة حيي بن يؤمن أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه -وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير بيده هكذا- ومنهم من يغطيه عرقه" وضرب بيده إشارة ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، (المسند 4/ 157) وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال ويتقوى بالشواهد السابقة فيكون سنده حسنًا لغيره.¥، انفرد به أحمد، وفي حديث: "أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون"، وقيل: يقومون ثلاثمائة سنة، وقيل: يقومون أربعين ألف سنة، ويقضي بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة المعارج: آية 4.¥.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبشير الغفاري: "كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين من أيام الدنيا لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيهم بأمر؟ " قال بشير: المستعان الله، قال: "فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب" ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام به ¬أخرجه الطبري من طريق عبد السلام بن عجلان به، وسنده ضعيف لضعف عبد السلام. (لسان الميزان 4/ 16).¥.
وفي سنن أبي داود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة ¬أخرجه أبو داود من حديث عائشة -رضي الله عنها-. (السنن، الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء ح 766)؛ وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن أبي داود ح 693).¥.
وعن ابن مسعود يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شريك.¥.
وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة رواهما ابن جرير ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه أبو بكر وهو ابن عياش.¥.
وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحواري، عن عاصم بن حميد، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرًا ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا ويستغفر عشرًا ويقول: "اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة ¬سنن أبي داود، الحديث السابق نفسه، وسنن النسائي، قيام الليل، باب ذكر ما يستفتح به القيام 3/ 208؛ وسنن ابن ماجه، الإقامة باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل (ح 1356)؛ وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح 1115).¥.