تفسير ابن كثير
وهي مكية
رُوِّينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبدالله بن أبي بزة المقريء قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت {وَالضُّحَى (1)} قالا لي: كبِّر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير، فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أُبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أُبي أنه قرأ على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأمره بذلك ¬أخرجه البغوي من طريق المفسر أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش، عن أبي ربيعة محمد بن إسحاق الريعي، عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبدالله بن أبي بزة المقريء به. (معالم التنزيل 4/ 500، 501).¥.
فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدالله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إمامًا في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في "شرح الشاطبية" عن الشافعي أنه سمع رجلًا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال: أحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث.
ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته فقال بعضهم: يكبر من آخر {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)} وقال آخرون: من آخر {وَالضُّحَى (1)} وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر. ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى إليه: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)} السورة بتمامها كبر فرحًا وسرورًا، ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم ¬هذا الحديث ضعيف عند النقاد المحدثين، ومعتبر عند كثير من القراء، ويعملون به.¥.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالضُّحَى (1)}
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبًا يقول: اشتكى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 312) وسنده صحيح.¥. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق عن الأسود بن قيس، عن جُندب، هو ابن عبدالله البجلي، ثم العلقي به ¬صحيح البخاري، التهجد، باب ترك القيام للمريض (ح 1124)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب ما لقي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من أذى المشركين (ح 1797)؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الضحى (ح 3342)؛ والسنن الكبرى، التفسير، سورة الضحى (ح 11681).¥، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس سمع جُندبًا قال: أبطأ جبريل على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال المشركون: ودَّع محمدًا ربه؛ فأنزل الله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)}.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبدالله الأودي، قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جُندبًا يقول: رُمي رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بحجر في أصبعه فقال:
"هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت؟ "
قال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم، فقالت له امرأة ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} والسياق لأبي سعيد ¬سنده صحيح ورجاله ثقات.¥.
قيل: إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن أصبعه -عَلَيْهِ السَّلَامُ- دُميت، وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببًا لتركه القيام ونزول هذه السورة.
فأما ما رواه ابن جرير: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبدالواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، عن عبدالله بن شداد، أن خديجة قالت للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وما أظن عبدالله بن شداد سمع من خديجة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، وما أظن خديجة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- تقول ذلك بل كانت تشجعه وتؤازره.¥.
وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فجزع جزعًا شديدًا فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك، قال: فنزلت {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3). . .} إلى آخرها ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل؛ وأخرجه الحاكم من طريق هشام بن عروة به؛ وصححه الحاكم وقال الذهبي: صحيح مرسل (المستدرك 2/ 610)؛ وأخرجه البيهقي من الطريق نفسه وقال: في هذا الإسناد انقطاع (دلائل النبوة 7/ 60).¥. فإنه حديث مرسل من [هذين الوجهين] ¬كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل بياض.¥ ولعلّ ذكر خديجة ليس محفوظًا أو قالته على وجه التأسف والحزن، والله أعلم.
وقد ذكر بعض السلف منهم ابن إسحاق أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حين تبدَّى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطًا عليه وهو بالأبطح {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} [النجم] قال: قال له هذه السورة {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)}.
قال العوفي، عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- القرآن أبطأ عنه جبريل أيامًا فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما سبق.¥.
وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء.