تفسير هذه الآية

السورة 10 : الآية 30

السورة 10 : الآية 30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)}.
اختَلَفَت القرأَةُ في قراءةِ قولِه: {هُنَالِكَ تَبلُوا كُلُّ نَفْسٍ} بالباء ¬في ت 1، ت 2، س: "بالتاء"، وفى ف: "بالياء". وهذه القراءة قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 325 وحجة القراءات ص 331.¥، بمعنى: عند ذلك تُخْتَبَرُ كلُّ نفسٍ بما قَدَّمَت مِن خيرٍ أو شرٍّ.
وكان ممن يُقرؤُه ويتأوَّلُه كذلك مجاهدٌ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}. قال: تُخْتَبَرُ ¬تفسير مجاهد ص 381، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1949، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 307 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقرأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ وبعضُ أَهلِ الحجازِ: (تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ)، بالتاء ¬هذه قراءة حمزة والكسائي - السبعة لابن مجاهد ص 325 وحجة القراءات ص 331.¥.
واختَلَفَ قارئو ذلك كذلك في تأويلِه.
فقال بعضُهم: معناه وتأويلُه: هنالك تتبع كلُّ نفسٍ ما قَدَّمَت في الدنيا لذلك اليومِ.
ورُوِى بنحوِ ذلك خبرٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من وجهٍ وسَنَدٍ غيرِ مُرْتَضَى، أنه قال: "يَمْثُلُ لكُلِّ قوم ما كانوا يَعْبُدون مِن دونِ اللَّهِ يومَ القيامةِ، فَيَتَّبِعُونَهم حتى يُورِدَوهم النارَ". قال: ثم تَلَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: (هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت) ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 307 إلى ابن مردويه عن ابن مسعود.¥.
وقال بعضُهم: بل معناه: تَتْلُو كتابَ حسناتِه وسيئاتِه. يعنى: تقرأُ، كما قال جلّ ثناؤه: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} [الإسراء: 13].
وقال آخرون: تَتْلو: تُعايِنُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ}، قال: ما عَمِلَت، تَتْلُو: تُعايِنهُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1949 عن ابن زيد معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 307 إلى أبى الشيخ.¥.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتانِ مَشْهورتانِ، قد قَرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأةِ، وهما مُتقارِبتا المعنى -وذلك أن مَن تَبعَ في الآخرةِ ما أسْلَفَ مِن العملِ في الدنيا، هُجِمَ به على مَوْردِه، فيُخْبَرُ هنالك ما أَسْلَفَ مِن صالح أو سَيِّئُ في الدنيا، وإن مَن [خَبَر ما] ¬في م، ف: "خير من".¥ أَسْلَفَ في الدنيا من أعماله في الآخرة، فإنما يُخْبَرُ بعدَ مَصِيره إلى حيثُ أَحَلَّه ¬في س، ف: "أجله".¥ ما قَدَّمَ في الدنيا من عمله، فهو في كلتا الحالتين مُتَّبعٌ ما أسْلَفَ من عملِه، مُختبرٌ له- فبأيتِهما قَرَأ القارئ، كما وَصَفْنا، فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.
وأما قوله: {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ}، فإنه يقولُ: ورَجَعَ هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله الذى هو ربُّهم ومالكهم الحقُّ لا شكَّ فيه، دونَ ما كانوا يَزْعُمون أنهم لهم أربابٌ من الآلهة والأنْدادِ، {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}، يقولُ: وبَطَلَ عنهم ما كانوا يَتَخَرَّصون من الفِرْية والكذب على اللهِ، بدَعْواهم أوثانَهم أنها للهِ شركاءُ، وأنها تُقَرِّبُهم منه زُلْفَى.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}. قال: ما كانوا يَدْعُون معه من الأنْدادِ والآلهةِ، ما كانوا يَفْتَرُون الآلهة، وذلك أنهم جَعَلوها أندادًا وآلهة مع اللهِ؛ افتراءً وكذبًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1950 من طريق آخر عن ابن زيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 307 إلى المصنف وأبى الشيخ.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6