تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ما ينبغى لهذا القرآن {أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ}. يقولُ: ما يَنْبغى له أن يَتَخرَّصَه أحدٌ مِن عندِ غيرِ اللَّهِ. وذلك نظير قوله: (وما كان لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ) ¬هذه قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي، وتقدم ذكرها في 6/ 198.¥، بمعنى: ما ينبَغِي لنبي أَن يَغُلَّه أصحابُه.
وإنما هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه أن هذا القرآنَ مِن عنده، أنزله إلى محمد عبده، وتكذيبٌ منه للمشركين الذين قالوا: هو شعرٌ وكَهانةٌ. والذين قالوا: إنما يتعلَّمُه محمدٌ مِن يُحنَّسَ ¬في م: "يعين". وينظر الإصابة 6/ 696.¥ الروميِّ.
يقولُ لهم جلّ ثناؤه: ما كان هذا القرآنُ ليختلِقَه أحدٌ مِن عندِ غيرِ اللَّهِ؛ لأن ذلك لا يقدر عليه أحدٌ من الخلق، {وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}. يقول تعالى ذكرُه: ولكنه من عندِ اللَّهِ أَنزَله مُصدِّقا لما بين يديه. أي: لِما قبلَه من الكتبِ التي أُنزِلت على أنبياءِ اللَّهِ؛ كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، {وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ}. يقولُ: وتبيان الكتاب الذى كتبه الله على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ¬بعده في م: "وآله".¥، وفرائضه التى فَرَضَها عليهم في السابق من علمِه، {لَا رَيْبَ فِيهِ}. يقول: لا شكَّ فيه أنه تصديقُ الذى بينَ يديه من الكتابِ، وتفصيلُ الكتابِ مِن عندِ ربِّ العالمين، لا افتراءٌ مِن عندِ غيرِه ولا اختلاقٌ.