تفسير هذه الآية

السورة 11 : الآية 41

السورة 11 : الآية 41

وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال نوحٌ: اركَبوا في الفُلكِ {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}. وفي الكلامِ محذوفٌ قد استُغْنِي بدَلالةِ ما ذُكر مِن الخبرِ عليه عنه، وهو قولُه: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}. فحَمَلهم نوحٌ فيها، وقال لهم: اركَبوا فيها. فاستُغنى بدَلالةِ قولِه: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} عن ¬في ص، ت 1، س، ف: "على".¥ حملِه إياهم فيها، فتُرِك ذكرُه.
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}. فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (بسمِ اللَّهِ مُجْرَاهَا ومُرساها) بضمِّ الميمِ في الحرفين كليهما ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. ينظر التيسير ص 101، والكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 528، وإتحاف فضلاء البشر ص 154.¥. وإذا قُرِئ كذلك، كان مِن أَجْرَى وأَرْسَى، وكان فيه وجهان من الإعرابِ؛ أحدُهما الرفعُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ إجراؤُها وإرساؤُها. فيكونُ المُجْرَى والمُرْسَى مرفوعَين حينَئذٍ بالباءِ التي في قولِه: {بِسْمِ اللَّهِ}. والآخرُ النصبُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ عندَ إجْرائِها وإرْسائِها [أو وقتَ ¬سقط من: ص، ت 2، س، ف.¥ إجرائِها وإرسائِها] ¬سقط من: ت 1.¥.
فيكونُ قولُه: {بِسْمِ اللَّهِ}. كلامًا مُكْتَفِيًا بنفسِه، كقولِ القائلِ عندَ ابتدائِه في عملٍ يعملُه: باسمِ اللَّهِ. ثم يكونُ المُجْرَى والمُرْسَى منصوبَين على ما نصَبت العربُ قولَهم: الحمدُ للَّهِ سِرارَك وإهلالَك. يعنون الهلالَ أولَه وآخرَه. كأنهم قالوا: الحمدُ للَّهِ أولَ الهلالِ وآخرَه. ومسموعٌ منهم أيضًا: الحمدُ للَّهِ ما إهلالَك إلى سِرارِك.
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}، بفتحِ الميمِ مِن {مَجْرَاهَا}، وضَمِّها مِن {وَمُرْسَاهَا} ¬وهي قراءة عاصم في رواية حفص، وحمزة والكسائي مع إمالة الراء. ينظر المصادر السابقة.¥، فجعلوا {مَجْرَاهَا} مصدرًا مِن جَرَى يَجْرِي مَجْرًى. و {وَمُرْسَاهَا}، مِن أرسَى يُرْسِي إِرساءً. وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان في إعرابِهما مِن الوجهين نحوُ الذي فيهما إذا قُرِئا: (مُجرَاها ومُرساها)، بضمِّ الميمِ فيهما على ما بيَّنتُ.
ورُوِي عن أبي رجاءٍ العُطارديِّ، أنه كان يقرأُ ذلك: (بسمِ اللَّهِ مُجْرِيها وَمُرْسِيها) بضمِّ الميمِ فيهما، ويُصَيِّرُهما نعتًا للَّهِ ¬ينظر البحر المحيط 5/ 225.¥. وإذا قُرِئا كذلك، كان فيهما أيضًا وجهان مِن الإعرابِ، غيرَ أن أحدَهما الخفضُ، وهو الأغلبُ عليهما مِن وَجْهيِ الإعرابِ؛ لأن معنى الكلامِ على هذه القراءةِ: بسمِ اللَّهِ مُجْرِي الفلكِ ومُرسِيها. فالمُجْرِي نعتٌ لاسمِ اللَّهِ. وقد يَحْتَملُ أن يكونَ نصبًا، وهو الوجهُ الثاني؛ لأنه يَحسُنُ دخولُ الألفِ واللامِ في المُجْرِي والمُرْسِي، كقولِك: بسم اللَّهِ المُجْرِيها والمُرْسِيها. وإذا حُذِفتا نُصِبتا على الحالِ، إذ ¬في ت 1، ت 2، س، ف: "إذا".¥ كان فيهما معنى النَّكرةِ وإن كانا مضافَين إلى المعرفةِ.
وقد ذُكِر عن بعضِ الكوفيِّين أنه قرَأ ذلك: (مَجْراها ومَرْساها)، بفتحِ الميمِ فيهما جميعًا ¬وهي قراءة شاذة، وقد قرأ بها ابن مسعود وعيسى الثقفي وزيد بن علي والأعمش. ينظر البحر المحيط 5/ 225.¥ مِن جرَى ورَسا، كأنه وجَّهه إلى أنه: في حالِ جَرْيِها، وحالِ رُسُوِّها. وجعل كلتا الصفتَين للفُلْكِ، كما قال عنترةُ ¬في شرح ديوانه ص 89، واللسان (ص ب ر).¥:
فصَبَرتُ [نفسًا عندَ ذلك] ¬في الديوان واللسان: "عارفة لذلك".¥ حُرَّةً ... تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّعُ
والقراءةُ التي نختارُها في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا} بفتح الميمِ {وَمُرْسَاهَا} بضمِّ الميمِ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ حِينَ تَجْري وحينَ تُرْسِي. وإنما اخترتُ الفتحَ في ميمِ {مَجْرَاهَا} لقربِ ذلك مِن قولِه: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ}. ولم يقلْ: تُجْرَى بهم. ومَن قرَأ: (بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها). كان الصوابُ على قراءتِه أن يقرأَ: (وهي تُجْرَى بهم). وفي إجماعِهم على قراءةِ: (تَجْرِي). بفتحِ التاءِ دليلٌ واضحٌ على أن الوجهَ في {مَجْرَاهَا} فتحُ الميمِ. وإنما اخْترنا الضمَّ في {مُرْسَاهَا} لإجماعِ الحجةِ مِن القَرَأةِ على ضمِّها، ومعنى قولِه: {مَجْرَاهَا}، مسيرُها. {وَمُرْسَاهَا}: وَقْفُها، من: وقَفها اللَّهُ وأَرْساها.
وكان مجاهدٌ يقرأُ ذلك بضمِّ الميمِ في الحرفين جميعًا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ. قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: حينَ يَركَبون ويُجْرُون ويُرْسُون ¬تفسير مجاهد ص 387، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2033.¥.
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: بِسمِ اللَّهِ حينَ يَرْكَبون ويُجْرون ويُرْسُون] ¬سقط من: م.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: بسمِ اللَّهِ حِينَ يُجْرُون وحينَ يُرْسُون.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (ارْكَبُوا فيها بسمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها). قال: إذا أراد أن تُرْسِيَ قال: باسمِ اللَّهِ. فأرسَت. وإذا أرادَ أن تَجريَ قال: باسمِ اللَّهِ. فجَرت ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2033 من طريق جابر بن نوح به بنحوه، وفيه تقديم وتأخير. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 333 إلى المصنف.¥.
وقولُه: {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: إن ربي لساتِرٌ ذنوبَ مَن تَابَ وأَنابَ إليه، {رَحِيمٌ} بهم أن يعذِّبَهم بعدَ التوبةِ.

تفاسير بلغات أخرى · 6