تفسير هذه الآية

السورة 11 : الآية 40

السورة 11 : الآية 40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)}.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}: أيُّها القومُ، إذا جاء أمرُ اللَّهِ، مَن الهالكُ؟ {مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}. يقولُ: الذي يأتيه عذابُ اللَّهِ مِنَّا ومنكم يُهِينُه ويُذِلُّه، {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ}. يقولُ: وينزِلُ به في الآخرةِ مع ذلك، عذاب دائمٌ لا انقطاعَ له، مقيمٌ عليه أبدًا.
وقولُه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا}. يقولُ: ويصنَعُ نوحٌ الفلكَ حتى إذا جاء أمرُنا الذي وعدناه أن يجيءَ قومَه، مِن الطوفانِ الذي يُغْرِقُهم.
وقولُه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: انْبجَسَ الماءُ مِن وجهِ الأرضِ، وفارَ التنورُ، وهو وجهُ الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوامُ بنُ حوشبٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: التنورُ وجهُ الأرضِ. قال: قيل له: إذا رأيتَ الماءَ على وجهِ الأرضِ فاركَبْ أنت ومَن اتَّبَعَك ¬في م: "معك".¥. قال: والعربُ تُسمِّي وجهَ الأرضِ تَنُّورَ الأرضِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2029 من طريق يعقوب به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1087 - تفسير) عن هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 329 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن الضحاكِ بنحوِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا الشيبانيُّ، عن عكرمةَ في قولِه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: وجهُ الأرضِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2029 معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 329 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن عكرمةَ: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "على".¥: وجهُ الأرضِ.
وقال آخرون: هو تنويرُ الصبحِ. من قولِهم: نَوَّرَ الصبحُ تَنْويرَا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "فضل". وينظر تهذيب الكمال 26/ 293.¥، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن زيادٍ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "عباس"، وفي ف: "ابن عباس"، والمثبت من مصدر التخريج. وهو زياد بن زيد السوائي، مولى أبي جحيفة. تهذيب الكمال 9/ 473، وينظر الأثر القادم.¥ مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ - رضي الله عنه - قولَه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: هو تنويرُ الصبحِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2028 من طريق محمد بن فضيل بن غزوان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 329 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وإسحاقُ بنُ إسرائيل، قالا: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن زيادٍ مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ في قولِه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: تنويرُ ¬في ت 2: "نور".¥ الصبحِ.
حدَّثنا حمادُ بنُ يعقوبَ، قال: أخبرَنا ابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن مولى أبي جُحَيفةَ - أُراه قد سَمَّاه - عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: تنويرُ ¬في ص، ت 1، س، ف: "نور".¥ الصبحِ.
حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن ابنِ إسحاقَ، عن رجلٍ مِن قريشٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ - رضي الله عنه -: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: طلعَ الفجرُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ¬بعده في ت 2: "قال حدثني الحجاج".¥، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - قولَه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: إذا طلعَ الفجرُ.
وقال آخرون: [معنى ذلك] ¬سقط من: ت 1، س.¥: وفارَ أعْلَى الأرضِ وأشرفُ مكانٍ فيها بالماءِ. وقال: التنورُ أشرفُ الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}: كنا نُحَدَّثُ أنه أعلى ¬في ت 1، م، ف: "على".¥ الأرضِ وأشرفُها، وكان عَلَمًا بينَ نوحٍ وبينَ ربِّه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2029 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة نحوه.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمعتُ قتادةَ في ¬ليست في: ص، م، ت 2، ت 3، س، ف.¥ قولِه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: أشرفُ الأرضِ وأرفعُها، فارَ الماءُ منه.
وقال آخرون: هو التنورُ الذي يُخْتَبَرُ ¬في ت 2: "يخبز".¥ فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: إذا رأيتَ تَنُّورَ أهلِك يخرُجُ منه الماءُ، فإنه هلاكُ قومِك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2029 عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي محمدٍ، عن الحسنِ، قال: كان تنورًا من حجارةٍ كان لحواءَ، حتى صار إلى نوحٍ. قال: فقيل له: إذا رأيتَ الماءَ يفورُ مِن التنورِ فاركَبْ أنت وأصحابُك ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 186، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 328 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: حينَ انْبَجَسَ الماءُ، وأُمِر نوحٌ أن يركَبَ هو ومَن معه في الفلكِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: انبجسَ الماءُ منه؛ آيةً ¬في ت 1، ت 2، س، ف: "إنه".¥ أن يركَبَ بأهلِه ومَن معه في السفينةِ ¬تفسير مجاهد ص 387¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: آيةً ¬في ت 2، س، ف: "إنه".¥ أن يركَبَ أهلُه ومَن معه ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "معهم".¥ في السفينةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ¬في م: "بن".¥ ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: آيةً ¬في س، ف: "إنه".¥ بأن يركبَ بأهلِه ومَن معهم في السفينةِ (2).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نَبَعَ الماءُ في التنورِ، فعَلِمَتْ به امرأتُه فأخبرَته. قال: وكان ذلك في ناحيةِ الكوفةِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 187.¥.
قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا عليُّ بنُ ثابتٍ، عن السَّرِيِّ بنِ إسماعيلَ، عن الشعبيِّ أنه كان يحلِفُ باللَّهِ ¬بعده في ت 1: "بأنه"، وفي ف: "أنه".¥: ما فارَ التنورُ إلا مِن ناحيةِ الكوفةِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 187.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن النضرِ أبي عمرَ الخَزَّازِ ¬في ت 2: "الخراز"، وفي س: "الحرار"، وفي ف: "الجزار".¥، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه ¬سقط من: ص، ت 2، س، ف.¥: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: فارَ التنورُ بالهندِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 186، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2029 من طريق أبي يحيى عبد الحميد الحماني به.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}: كان آيةً لنوحٍ إذا خَرَجَ منه الماءُ، فقد أتَى الناسَ الهلاكُ والغَرَقُ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ في معنى "فارَ": نَبَعَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَفَارَ التَّنُّورُ}. قال: نَبَعَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2028 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 328 إلى ابن المنذر.¥.
قال أبو جعفرٍ - رحِمه اللَّهُ -: وفورانُ الماءِ سَوْرَةُ دَفْعَتِه، يقالُ منه: فارَ الماءُ يَفُورُ [فَوْرًا وفُؤورًا وفَوَرانًا] ¬في ت 1: "فورا"، وفي س: "فورا وفُؤرا"، وفي م: "فورانا وفورا".¥. وذاك إذا سارت دَفْعَتُه.
وأَوْلى هذه الأقوالِ عندَنا بتأويلِ قولِه: {التَّنُّورُ}. قولُ مَن قال: هو التنورُ الذي يُخْبَزُ فيه؛ لأن ذلك هو المعروفُ مِن كلامِ العربِ، وكلامُ اللَّهِ لا يُوَجَّهُ إلا إلى الأغلبِ الأشهرِ مِن معانيه عندَ العربِ، إلا أن تقومَ حجةٌ ¬في م: "حجتهم"، وفي س: "الحجة".¥ على شيءٍ منه بخلافِ ذلك، فيُسَلَّمَ لها. وذلك أنه جل ثناؤُه إنما خاطَبَهم بما خاطَبَهم به، لإفهامِهم معنى ما خاطَبَهم به. قلنا لنوحٍ، حينَ جاء عذابُنا قومَه الذي وَعَدْنا نوحًا أن نعذِّبَهم به، وفارَ التنورُ الذي جَعَلْنا فَوَرَانَه بالماءِ آيةَ مجيءِ عذابِنا، بينَنا وبينَه، لهلاكِ قومِه: {احْمِلْ فِيهَا}. يعني في الفلكِ، {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}. يقولُ: مِن كُلٍّ ذكرٍ وأنثى اثنين ¬سقط من: م.¥.
كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}. قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صِنفٍ ¬تفسير مجاهد ص 387، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2030، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 329 إلى أبي الشيخ بلفظ: في كلام العرب يقولون للذكر والأنثى زوجان.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}: فالواحدُ زوجٌ، والزوجين ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}. قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ ¬¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}. يقولُ: مِن كلِّ صنفٍ اثنين.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}: يعني بالزوجين اثنين؛ ذكرًا وأنثى.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن الكوفيين: الزوجان في كلامِ العربِ: الاثنان. قال: ويقالُ: عليه زَوْجَا نعالٍ ¬في س، ف: "فقال".¥. إذا كانت عليه نعلان، ولا يقالُ: عليه ¬سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.¥ زوجُ نعالٍ. وكذلك: عندَه زوجَا حَمامٍ، وعليه زوجَا قيودٍ. وقال: ألا تسمعُ إلى قولِه: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم: 45]. فإنما هما اثنان.
وقال بعضُ البصريِّين مِن أهلِ العربيةِ في قولِه: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}. قال: فجَعَل الزوجين، الضَّرْبَين؛ الذكورَ والإناثَ. قال: وزعم يونسُ أن قولَ الشاعرِ ¬ورد غير منسوب في الصحاح واللسان والتاج (م ر أ).¥:
وأنتَ امْرُؤٌ تَغْدُو على كلِّ غِرَّةٍ ... فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصِيبُ
يعني به الذئبَ. قال: فهذا أشذُّ مِن ذلك ¬أي: تسمية الذئب امرءًا أشذ من ذلك.¥.
وقال آخرُ منهم: الزوجُ اللونُ. قال: وكلُّ ضربٍ يُدْعَى لونًا. واسْتَشْهد ببيتِ الأعشى في ذلك ¬ديوانه ص 107.¥:
وكلُّ زَوْجٍ مِن الدِّيباجِ يَلْبَسُهُ ... أبو قُدامةَ مَحْبُوًّا ¬الاحتباء بالثوب: الاشتمال. ينظر اللسان (ح ب و).¥ بِذاك مَعَا
وبقول لَبيدٍ ¬شرح ديوان لبيد ص 11.¥:
بذي ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "وذي".¥ بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبُ ¬المقنب من الخيل: جماعة منه، ومن الفرسان، تجتمع للغارة. ينظر تاج العروس (ق ن ب).¥ صَوْبهُ ¬في ص، ت 2: "صوته". وفي ت 1، س: "صورته"، وفي ف: "صدرته".¥ ... وَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ
وذُكِر أن الحسنَ قال في قولِه: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: 49]: السماءُ زوجٌ والأرضُ زوجٌ، والشتاءُ زوجٌ والصيفُ زوجٌ، والليلُ زوجٌ، والنهارُ زوجٌ، حتى يصيرَ الأمرُ إلى اللَّهِ الفردِ، الذي لا يُشْبِهُه شيءٌ.
وقولُه: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}. يقولُ: واحمِلْ أهلَك أيضًا في الفلكِ. يعني بالأهلِ: ولدَه ونساءَه وأزواجَه. {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}. يقولُ: إلا مَن قلتُ فيهم ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "منهم".¥: إني مُهْلِكُه مع مَن أُهْلِكُ مِن قومِك.
ثم اختَلفوا في الذي اسْتَثْناه اللَّهُ مِن أَهلِه؛ فقال بعضُهم: هو بعضُ نساءِ نوحٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}. قال: العذابُ، هي امرأتُه كانت من ¬في ص، ت 2، ف: "في".¥ الغابِرين في العذابِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 333 إلى المصنف وأبي الشيخ.¥.
وقال آخرون: بل هو ابنُه الذي غَرِقَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}. قال: ابنُه ¬في ت 1، س، ف: "انه".¥ غَرِقَ في مَن غَرِقَ.
وقولُه: {وَمَنْ آمَنَ}. يقولُ: واحملْ معهم مَن صَدَّقَك واتَّبَعَك مِن قومِك. يقولُ اللَّهُ: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}. يقولُ: وما أقرَّ بوحدانيةِ اللَّهِ مع نوحٍ مِن قومِه إلا قليلٌ.
واختلفوا في عددِ الذين كانوا آمَنوا معه، فَحَمَلَهم معه في الفلكِ؛ فقال بعضُهم في ذلك: كانوا ثمانيةَ أنفسٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}. قال: ذُكِرَ لنا أنه لم يتمَّ في السفينةِ إلا نوحٌ وامرأتُه وثلاثةُ بَنيه، ونساؤُهم، فجميعُهم ثمانيةٌ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 188 عن بشر به، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2031 من طريق سعيد بن أبي عروبة به.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا يحيى بنُ عبد الملكِ بنِ أبي غَنِيَّةَ ¬في ص: "عنبة"، وفي ت 1، ف: "عتبة"، وفي ت 2: "عيينة"، وفي س: "عىىه" غير منقوطة. ينظر تهذيب الكمال 31/ 446.¥، عن أبيه، عن الحكمِ: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}. قال: نوحٌ، وثلاثةُ بَنيه، وأربعُ كَنائنِه ¬الكَنَّة، بالفتح: امرأة الابن أو الأخ. تاج العروس (ك ن ن). والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 188 عن ابن وكيع والحسن به، وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2031 من طريق يحيى بن أبي غنية به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 333 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: حُدِّثتُ أن نوحًا حَمَلَ معه ¬بعده في ت 1: "في السفينة".¥ بَنيه الثلاثةَ، وثلاثَ نسوةٍ لبَنيه، وامرأةَ نوحٍ، فهم ثمانيةٌ بأزواجِهم، وأسماءُ بنيه: يافثُ، وسامٌ، وحامٌ. وأصابَ حامٌ زوجتَه في السفينةِ، فدَعا نوحٌ أن تُغَيَّرَ نُطْفتُه، فجاء بالسودانِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 188، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 333 إلى المصنف وأبي الشيخ.¥.
وقال آخرون: بل كانوا سبعةَ أنفسٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}. قال: كانوا سبعةً؛ نوحٌ، وثلاثُ كنائنَ له، وثلاثةُ بنينَ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 188.¥.
وقال آخرون: كانوا عشرةً سوى نسائِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا فارَ التنورُ، حمل نوحٌ في الفلكِ مَن أمَره اللَّهُ به، وكانوا قليلًا كما قال اللَّهُ، فحَمَل ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "فجعل".¥ بنيه الثلاثةَ؛ سامٌ وحامٌ ويافتُ، ونساءَهم، وستةَ أَناسيَّ ممن كان آمن ¬في ص، ت 1، س، ف: "أمره"، وفي ت 2: "أمر الله".¥، فكانوا عشرةَ نفرٍ بنوحٍ وبَنيه وأزواجِهم ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 189.¥.
وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: حمَل نوحٌ معه في السفينةِ ثمانين إنسانًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 187.¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ: كان ¬في ت 2: "قال".¥ بعضُهم يقولُ: كانوا ثمانين. يعني القليلَ الذي قال اللَّهُ: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} (4).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنى حسينُ بنُ واقدٍ الخُراسانيُّ، قال: ثنى أبو نَهِيكٍ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كان في سفينةِ نوحٍ ثمانون رجلًا، أحدُهم جُرْهُمٌ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 187 عن موسى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2030 من طريق زيد بن الحباب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 333 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ كما قال اللَّهُ: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}، يَصِفُهم بأنهم كانوا قليلًا، ولم يُحَدَّ ¬في م: "يحدد"، وفي ف: "نجد".¥ عددُهم بمقدارٍ ولا خبرٍ عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صحيحٍ. فلا ينبغي أن يُتَجاوزَ في ذلك حدُّ اللَّهِ، إذ لم يكنْ لمَبْلَغِ عددِ ذلك حدٌّ مِن كتاب اللَّهِ، أو أثرٍ عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.

تفاسير بلغات أخرى · 6