تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالَى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)}.
يقولُ تعالَى ذكرُه: و ¬زيادة من: ص، ف.¥ قد مكَر هؤلاء الذين ظلموا أنفسَهم - فسكَنتم من بعدِهم في مساكنِهم - مكرَهم.
وكان مكرُهم الذي مكَروا ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أُذُنانٍ ¬في ص، م، ف: "أبان" وهو على الصواب في تفسير ابن كثير 4/ 435، وينظر التاريخ الكبير 5/ 255، والجرح والتعديل 5/ 210، والثقات 5/ 87.¥، قال: سمِعت عليًّا يقرأُ: (وَإنْ كاد ¬في النسخ: "كان"، والمثبت من البحر المحيط. وكان يقرأ بإبدال النون دالا أيضًا عمر وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو إسحاق السبيعى وزيد بن علي. ينظر البحر المحيط 5/ 437، ومختصر الشواذ ص 74.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبِالُ). قال: كان ملكٌ فَرِهٌ ¬فره: أشر بطر. القاموس المحيط (ف ر هـ).¥ أخذ فروخَ النسورِ، فعلَفها اللحمَ حتى شبَّت واستعلَجت ¬في ص، ف: "استعجلت". واستعلج جلده: غلظ. ينظر القاموس المحيط (ع ل ج).¥ واستغلَظت، فقعَد هو وصاحبُه في التابوتِ، وربَطوا التابوتَ بأرجلِ النسورِ، وعلَّقوا اللحمَ فوقَ التابوتِ، فكانت كلما نظَرت إلى اللحمِ، صعِدت وصَعِدت، فقال لصاحبِه: ما ترَى؟ قال: أرَى الجبالَ مثلَ الدخانِ. قال: ما ترَى؟ قال: ما أرَى شيئًا. قال: ويحك صَوِّبْ ¬صوب: أي اخفض. اللسان (ص و ب
).¥ صوِّبْ. قال: فذلك قولُه: (وَإِنْ كادَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 89 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ) ¬في ص، ف: "وائل"، وفى م، ت 1، ت 2، س: "واصل".¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أُذنانٍ ¬¥، عن عليّ بن أبي طالبٍ، مثلَ حديثِ يحيى بن سعيدٍ. وزاد فيه: وكان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يقرَؤُها: (وَإِنْ كَادَ ¬في النسخ: "كان"، وينظر التعليق المتقدم في الصفحة السابقة.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ).
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أُذنانٍ، أن عليًّا قال في هذه الآيةِ: (وَإِنْ كادَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 435.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). قال: أخَذ ذلك الذي حاجّ إبراهيمَ في ربِّه نَسْرين صغيرين، فربَّاهما، ثم استغلَظا واستعلَجا وشبَّا. قال: فأوثَقِ رِجْلَ كلِّ واحدٍ منهما بوَتِدٍ إلى تابوتٍ، وجوّعهما، وقعَد هو ورَجَلٌ آخرُ في التابوتِ. قال: ورفَع في التابوتِ عصًا على رأسِه اللحمُ. قال: فطارا، وجعل يقولُ لصاحبِه: انظُرْ ماذا ترَى؟ قال: أرَى كذا وكذا. حتى قال: أرَى الدنيا كأنها ذُبابٌ. فقال: صوِّبْ العصا. فصوّبها فهبَطا. قال: فهو قولُ اللهِ تعالى: (وَإنْ كادَ ¬في ف: "فقرعت".¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). قال أبو إسحاقَ: وكذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وَإِنْ كاد ¬¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ) ¬¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ): مكرُ فارسَ. وزعَم أن بُخْتَنَصَّرَ خرَج بنُسورٍ، وجعَل له تابوتًا يدخُلُه، وجعَل رماحًا في أطرافِها، واللحمَ فوقَها، أُرَاه قال: فَعَلَت تذْهَبُ نحوَ اللحمِ، حتى انقطَع بصرُه من الأرضِ وأهِلها، فنُودِى: أيها الطاغيةُ أين تريدُ؟ ففرِق، ثم سمِع الصوتَ فوقَه، فصوَّب الرماحَ، فتصوَّبت النسورُ، ففزِعت ¬¥ الجبالُ من هدَّتِها، وكادت الجبالُ أن تزولَ منه من حسِّ ذلك، فذلك قولُه: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ) ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 189 إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير 4/ 435.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ) كذا قرَأَها مجاهدٌ: (كان ¬في النسخ: "كاد". ونسبت القراءة بالنون: "كان"، و "ولتزول" بفتح اللام الأولى ورفع الثانية - إلى مجاهد، وإلى ابن عباس وابن وثاب والكسائي. ينظر البحر المحيط.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). وقال: إن بعضَ من مَضَى جوَّع نسورًا، ثم جعَل عليها تابوتًا فدخَله، ثم جعَل رماحًا في أطرافِها لحمٌ، فجعَلت تَرَى اللحمَ فتذهَبُ، حتى انتهى بصرُه، فنُودِى: أيها الطاغيةُ، أين تريدُ؟ فصوَّب الرِّماحَ، فتصوَّبت النسورُ، ففزِعت الجبالُ، وظنَّت أن الساعةَ قد قامت، فكادت أن تزولَ، فذلك قولُه تعالَى: (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ).
قال ابن جريجٍ: أخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن عمرَ بن الخطابِ، أنه كان يقرَأُ، (وَإِنْ كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ) ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 89 إلى ابن الأنبارى في المصاحف. ونسب هذه القراءة إلى عمر أبو حيان في البحر المحيط 5/ 437.¥.
حدَّثني هذا الحديثَ أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقرَأُ على نحوِ: (لَتَزُولُ) بفتحِ اللامِ الأولى، ورفعِ الثانيةِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 435 عن ابن جريج به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أُذنانٍ قال: سمعت عليًّا يقولُ: (وَإِنْ كَادَ ¬في النسخ "كان". والمثبت من مصدر التخريج.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزولُ مِنْهُ الجبالُ) ¬أخرجه أحمد في العلل 1/ 115 (494) عن وكيع به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن دانيلَ ¬في ف: "وائل". وعبد الرحمن بن دانيل هو نفسه ابن أذنان، فهذا مما قيل في اسم أبيه، وينظر التعليق المتقدم في ص 718.¥، قال: سمِعت عليًّا يقولُ: (وَإِن كَادَ ¬في النسخ "كان". وينظر التعليق المتقدم في ص 718.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ). قال: ثم أنشَأ عليٌّ يحدِّثُ فقال: نزَلت في جبَّارٍ من الجبابرةِ، قال: لا أنتهى حتى أعلَمَ ما في السماءِ. ثم اتخَذ نسورًا، فجعَل يُطعِمُها اللحمَ، حتى غلُظت واستعلَجت واشتدَّت. وذكَر مثلَ حديثِ شعبةَ ¬أخرجه أحمد في العلل 1/ 115 (494) عن وكيع به، وأخرجه ابن الأعرابي في معجمة (1287) من طريق إسرائيل به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ ¬في م: "الحضرمي". وينظر تهذيب الكمال 21/ 360.¥، عن يعقوبَ، عن حفصِ بن حميدٍ أو جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: (وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ). قال: نُمْرُودُ صاحبُ النسورِ، أمَر بتابوتٍ فجُعِل، وجعَل معه رجُلًا، ثم أمَر بالنسورِ فاحتُمِل، فلما صعِد قال لصاحبِه: أَيَّ شيءٍ ترَى؟ قال: أرَى الماءَ وجزيرةً. يعنى الدنيا، ثم صعِد فقال لصاحبِه: أيَّ شيءٍ ترَى؟ قال: ما نزدادُ من السماءِ إلا بُعْدًا، قال: اهبطْ. وقال غيره: نُودِى: أيُّها الطاغيةُ أين تريدُ؟ قال: فسمِعت الجبالُ حفيفَ النسورِ، فكانت ترَى أنها أمرٌ من السماءِ، فكادت تزولُ، فهو قولُه: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبال) ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 90 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، أن أنسًا كان يقرأُ: (وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبال).
وقال آخرون: كان مكرُهم شركَهم باللهِ، وافتراءَهم عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: (وإن كان مَكْرُهُمْ لَتَزُلُ مِنه الجبالُ). يقولُ: شركُهم، كقولِه: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} ¬ذكره ابن كثير في تفسير 4/ 436 عن علي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 89 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥ [مريم: 90].
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 89 إلى المصنف.¥ [مريم: 88 - 90].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ}. ثم ذكَر مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن الحسنَ كان يقولُ: كان أهونَ على اللهِ، وأصغرَ من أن تزولَ منه الجبالُ، يصِفُهم بذلك. قال قتادةُ: وفي مصحفِ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: (وَإِنْ كادَ ¬في ف: "كان".¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ). وكان قتادةُ يقولُ عندَ ذلك: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 90]؛ أي: لكلامِهم ذلك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 89 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ): قال ذلك حِينَ دَعَوْا للهِ وَلَدًا، وقال في آيةٍ أخرى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 343 عن معمر به.¥ [مريم: 90، 91].
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}: في حرفِ ابن مسعودٍ: (وإنْ كادَ ¬في ص، ف: "كان". وينظر ما تقدم في ص 718.¥ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبال)، هو مثلُ قولِه: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقِ ما خلا الكسِائيَّ: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}، بكسرِ اللامِ الأولى وفتحِ الثانيةِ ¬ينظر السبعة ص 363، وحجة القراءات ص 379.¥. بمعنى: وما كان مكرُهم لِتَزُولَ منه الجبالُ. وقرَأه الكسائيُّ: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبالُ) بفتحِ اللامِ الأولى ورفعِ الثانيةِ، على تأويلِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (وإنْ كادَ (2) مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجبال) من المتقدمين الذين ذكرتُ أقوالَهم، بمعنى: اشتدَّ مكرُهم حتى زالت منه الجبالُ، أو كادت تزولُ منه، وكان الكسائيُّ يُحدِّثُ عن حمزةَ، عن شبلٍ، عن مجاهدٍ، أنه كان يقرَأُ ذلك على مثل قراءتِه (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ) برفعِ "تزولُ".
حدَّثني بذلك الحارثُ، عن القاسمِ، عنه.
والصوابُ من القراءةِ عندَنا قراءةُ مَن قرَأه: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} بكسرِ اللامِ الأولى وفتحِ الثانيةِ ¬القراءتان كلتاهما صواب، وليست إحداهما بأولى من الأخرى.¥، بمعنى: وما كان مكرهم لِتَزُولَ منه الجبالُ.
وإنما قلنا ذلك هو الصوابُ؛ لأن اللام الأولى إذا فُتِحت، فمعنى الكلامِ: وقد كان مكرُهم تزولُ منه الجبالُ، ولو كانت زالت لم تكن ثابتةً، وفي ثبوتِها على حالتها ما يُبين عن أنها لم تزل. وأخرى: إجماعُ الحجةِ من القرأَةِ على ذلك، وفى ذلك كفايةٌ عن الاستشهادِ على صحتِها وفسادِ غيرِها بغيرِه.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك ليس بإجماعٍ من الحجةِ، إذ كان من الصحابةِ والتابعينَ مَن قرَأ ذلك كذلك، فإن الأمرَ بخلافِ ما ظنَّ في ذلك، وذلك أن الذين قرَءوا ذلك بفتحِ اللامِ الأولى ورفعِ الثانيةِ، قرَءوا: (وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ) بالدالِ، وهى إذا قُرِئت كذلك، فالصحيحُ ¬في ص، ف: "بالصحة".¥ من القراءةِ مع: (وَإنْ كادَ ¬في ص، ف: "كان".¥) فتحُ اللامِ الأولى ورفعُ الثانيةِ على ما قرَءوا، وغيرُ جائزٍ عندَنا القراءةُ كذلك؛ لأن مصاحفَنا بخلافِ ذلك، وإنما خَطُّ مصاحفِنا: {وَإِنْ كَانَ} الله بالنونِ لا بالدالِ، وإذ كانت كذلك، فغير جائزٍ لأحدٍ تغييرُ رسمِ مصاحفِ المسلمينِ، وإذا لم يجُزْ ذلك، لم يكن الصَّحاحُ من القراءةِ إلا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، دونَ مَن شَذَّ بقراءتِه عنهم.
وبنحوِ ما قلنا في معنى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ}. قال: جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}. يقولُ: ما كان مكرُهم لتزولَ منه الجبالُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 435 عن العوفي عن ابن عباس.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}: ما كان مكرُهم لتزول منه الجبالُ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 344 عن معمر به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان مكرُهم لتزولَ منه الجبالُ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن يونسَ وعمرٍو، عن الحسنِ: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}. قالا: وكان الحسنُ يقولُ: وإن كان مكرُهم لأوهنَ وأضعفَ من أن تزولَ منه الجبالُ.
قال: قال هارونُ: وأخبَرنى يونسُ، عن الحسنِ، قال: أربعٌ في القرآنِ: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} ما كان مكرُهم لتزولَ منه الجبالُ، وقولُه: {لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17]. ما كنا فاعلين، وقولُه: {إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]. ما كان للرحمن ولدٌ، وقولُه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} [الأحقاف: 26]. ما مكَّناكم فيه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 89 إلى المصنف وابن الأنباري في المصاحف.¥.
قال هارونُ: وحدَّثني بهنّ عمرٌو ¬بعده في ص، ف: "أسباط"، وبعده في م: "بن أسباط".¥، عن الحسن، وزاد فيهنَّ واحدةً: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ}: ما كنتَ في شَكٍّ: {مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [يونس: 94].
فالأَولَى من القولِ بالصوابِ في تأويلِ الآيةِ، إذ كانت القراءةُ التي ذكرتُ هي الصوابُ؛ لما بيَّنا من الدلالةِ في قولِه: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}. وقد أشرَك الذين ظلَموا أنفسَهم بربِّهم، وافْتَرَوْا عليه فِرْيتَهم عليه، وعندَ اللهِ علمُ شركِهم به وافترائِهم عليه، وهو مُعاقِبُهم على ذلك عقوبتَهم التي هم أهلُها، وما كان شركُهم وفِرْيتُهم على اللَّهِ لتزولَ منه الجبالُ، بل ما ضرُّوا بذلك إلا أنفسَهم، ولا عادت مغبَّة ¬في م: "بغية".¥ مكروهِه إلا عليهم.
حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شِمْرٍ، عن عليٍّ، قال: الغدرُ مكرٌ، والمكرُ كفرٌ.