تفسير هذه الآية

السورة 18 : الآية 29

السورة 18 : الآية 29

وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القول في تأويل قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: وقلْ، يا محمدُ لهؤلاء الذين أغْفَلْنا قلوبَهم عن ذكْرِنا واتَّبَعوا أهواءَهم: الحقُّ أيها الناسُ من عندِ ربِّكم، وإليه التوفيقُ والخِذْلانُ، وبيدِه الهدى والضلالُ؛ يهدِى من يشاءُ مِنكم للرَّشادِ فيؤمنُ، ويُضِلُّ مَن يشاءُ عن الهُدَى فيكفرُ، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، ولستُ بطارِدٍ لهواكم مَن كان للحقِّ مُتَّبِعًا، وباللَّهِ وبما أُنزِل عليَّ مؤمنًا، فإن شئتُم فآمِنوا، وإن شئتُم فاكْفُروا، فإنَّكم إن كفَرتُم فقد أعدَّ لكم ربُّكم على كفرِكم به نارًا أحاط بكم سُرَادِقُها، وإن آمنْتُم به وعمِلتُم بطاعتِه، فإنَّ لكم ما وصَف اللَّهُ لأهلِ طاعتِه.
ورُوى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. يقولُ: من شاء اللَّهُ له الإيمانَ آمَن، ومن شاء اللَّهُ له الكفرَ كفَر. وهو قولُه: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ¬أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (377) 1/ 452 من طريق عبد الله بن صالح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى حنيش في الاستقامة وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه.¥ [التكوير: 29].
وليس هذا بإطلاقٍ من اللَّهِ الكُفرَ لمَن شاء، والإيمانَ لمَن أراد، وإنَّما هو تهديدٌ ووعيدٌ، وقد بيَّن أن ذلك كذلك قولُه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}. والآياتُ بعدَها.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن عمرَ بن حبيبٍ، عن داودَ، عن مجاهدٍ في قوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر}. قال: وعيدٌ من الله؛ فليس بمُعْجِزى ¬في ص، ب 1، ف: "بمعجز في"، والمثبت موافق المصادر التخريج.
والأثر في تفسير عبد الرزاق 2/ 189، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى ابن أبي حاتم، وينظر تفسير ابن كثير 7/ 171.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر}، وقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]. قال: هذا كلُّه وعيدٌ ¬بعده في ت 1: "من الله".¥ ليس مُصانَعةً ولا مُراشاةً ولا تَفْويضًا.
وقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}. يقول عزَّ ذكرُه: إنا أعْدَدنا، وهو من العُدَّةِ، للظَّالِمين؛ الذين كفَروا بربِّهم نارًا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا}. قال: للكافرين.
وقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}. يقولُ: أحاط سُرادِقُ النارِ التي أعدَّها اللَّهُ للكافرين بربِّهم.
وذلك فيما قيل: حائطٌ من نارٍ يُطِيفُ بهم كسُرادقِ الفُسْطاطِ، وهى الحجرةُ ¬في ص، ت 1، ف: "المجمرة".¥ التي تُطِيفُ بالفُسْطاطِ، كما قال رؤبةُ ¬البيتان لرؤبة في ملحق ديوانه ص 172، وللكذاب الحرمازى في الشعر والشعراء 2/ 685، ولرؤبة وقيل للكذاب في اللسان (سردق) ولرجل من بنى الحرماز في الكتاب لسيبويه 2/ 203.¥:
يا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودُ
سُرادِقُ المجدِ ¬في م، ف: "الفضل".¥ عَلَيْكَ مَمْدُودْ
وكما قال سلامةُ بنُ جندلٍ ¬بعده في ت 2: "مسروق". والبيت في مجاز القرآن 1/ 399، واللسان (سردق).¥:
هُوَ المُولِجُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ... صُدُورُ الفُيُول بعدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ
يعني: بيتًا له سُرادقٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}. قال: حائطٌ من نارٍ ¬ذكره ابن كثير في تفسير 5/ 150 والطوسي في التبيان 7/ 32.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عمَّن أخبره، قال: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}. قال: دُخَانٌ يحيطُ بالكفارِ يومَ القيامةِ، وهو الذي قال اللَّهُ: {ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 402 عن معمر عن الكلبي قوله.¥ [المرسلات: 30].
وقد رُوِى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك خبرٌ يدلُّ على أن معنَى قولِه: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}: أحاط بهم ذلك في الدنيا، وأن ذلك السُّرادِقَ هو البحرُ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ نصرٍ والعباسُ بنُ محمدٍ، قالا: [ثنا أبو عاصمٍ، عن عبدِ اللَّهِ] ¬سقط من: ت 1، ف.¥
[ابن أميةَ، قال] ¬سقط من: ت 1، ف.¥: ثنا محمدُ بنُ حُييِّ ¬في ص، ت 1، ف: "حسين". وينظر الجرح والتعديل 7/ 239.¥ بن يَعْلَى، عن صفوانَ بن يَعْلَى، عن يَعْلى بن أميةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "البَحْرُ هو جَهَنَّمُ". قال: اللَّهِ فقيل له: [كيف ذلك] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.¥؟ فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}. ثم قال: واللَّهِ لا أدْخُلُها أَبَدًا، أو: ما دُمْتُ حَيًّا، ولا تُصِيبُنى مِنها قَطْرَةٌ ¬أحمد (17960)، والمعرفة والتاريخ 1/ 308 من طريق عاصم به، والتاريخ الكبير 8/ 414، من طريق أبي عاصم به مرسلًا، وصفة النار لابن أبي الدنيا (185)، والمستدرك 4/ 596، والسنن الكبرى 4/ 334، والبعث والنشور للبيهقى (496، 497)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 لابن مردويه.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يَعمَرُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا رِشْدينُ بنُ سعدٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلِّ واحدٍ مِثلُ مَسِيرَةِ أربعينَ سَنةً" ¬الزهد لابن المبارك (زيادات نعيم بن حماد) (316) من طريق رشدين بن سعد به، والترمذي (2584) من طريق عبد الله بن المبارك به، وأبو يعلى (1389)، والعلل المتناهية 2/ 453، وأحمد (11234)، وصفة النار لابن أبي الدنيا (6)، كلهم من طريق دراج به.¥.
حدَّثنا يونسُ ¬في ص، م، ت 1، ف: "بشر". وينظر تهذيب الكمال 32/ 513.¥، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ، أَنَّه قال: "إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّارِ أَربَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلَّ [جدارٍ منها] ¬في م: "واحدة مثل".¥ مَسِيرَةً أَرْبَعِينَ سَنةً" ¬أخرجه الحاكم 4/ 600، 601 من طريق عبد الله بن وهب به، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220 إلى أبي الشيخ وابن مردويه.¥ ¬بعده في ص، م، ت 1، ف: "حدثنا بشر، قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ماء كالمهل، قال: كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه". ولعله سبق قلم من الناسخ حيث سيأتي في ص 250 عند تفسير قوله: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ........... }.¥.
وقوله: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}. يقولُ عزَّ ذكرُه: وإن يستغِثْ هؤلاء الظالمون يومَ القيامةِ في النَّارِ من شدَّةِ ما بهم من العطشِ، فيطلُبوا الماءَ، يُغاثوا بماءٍ كالمُهْلِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المُهْلِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ شيءٍ أُذِيب وانْماعَ ¬انماع: ذاب وسال. النهاية 4/ 381.¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ أُهدِيَت إليه سِقايةٌ من ذهبٍ وفضةٍ، فأمَر بأخدودٍ فخُدَّ في الأرضِ، ثم قذَف فيه من جَزْلِ حطبٍ ¬الجزل: الحطب اليابس، وقيل: الغليظ. وقيل: ما عظم من الحطب وييس. لسان العرب (ج ز ل).¥، ثم قذَف فيه تلك السِّقايةَ، حتى إذا أَزْبَدَت وانماعَت قال لغلامِه: ادعُ مِن يحضُرُنا من أهلِ الكوفةِ فدعا رهطًا، فلمَّا دخَلوا عليه قال: أترَوْنَ هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شَبِيهًا للمُهْلِ أَدْنَى من هذا الذهبِ والفضةِ، حين أَزْبَدَ وانْماعَ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 402 عن معمر عن قتادة، مختصرًا، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150.¥.
وقال آخرون: هو الدمُ والقيحُ الأسودُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ عن القاسمِ بن ¬في م: "عن" وهو خطأ طباعي.¥ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}. قال: القَيحُ والدَّمُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}. قال: القَيحُ والدَّمُ الأسودُ، كعَكَر الزيتِ. قال الحارثُ في حديثه: يعني دُرْدِيَّه ¬الدردي: ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. النهاية 2/ 112.¥ ¬تفسير مجاهد ص 410، 447، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 21 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: {كَالْمُهْلِ}. قال: يقولُ: أسودُ كهيئةِ الزَّيتِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}: ماءُ جهنَّمَ أسودُ، وهي سوداءُ، وشجرُها أسودُ، وأهلُها سودٌ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عَمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}. قال: هو ماءٌ غليظٌ مثلُ دُرْدِيِّ الزيتِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 150، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن أبي شيبة وهناد وابن أبي حاتم.¥.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، [قال: أخبرني عمرٌو] ¬سقط من ت 2. والمثبت من باقى النسخ، كما في الموضع السابق في ص 247.¥، عن درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}. قال: كعكَرِ الزيتِ، فإذا قرَّبه إليه سقَطتْ فَرُوةُ وجهِه فيه] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥ ¬ابن حبان (7473) 16/ 514، والمستدرك 2/ 501، 4/ 604، والبيهقي في البعث (604) ص 293، وصفة النار لابن أبي الدنيا (76) ص 61، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 220، 221 إلى ابن مردويه وابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: هو الشيءُ الذي قد انتهَى حرُّه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عنترةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الْمُهلُ هو الذي قد انتهَى حرُّه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى عبد بن حميد، وينظر التبيان 7/ 33.¥.
وهذه الأقوالُ وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائلِيها، فمتقارباتُ المعنَى، وذلك أن كلَّ ما أُذيب من رَصَاصٍ أو ذهبٍ أو فِضةٍ فقد انتهَى حرُّه، وأن ما أُوقِدت عليه من ذلك النارُ حتى صار كدُرْدِيِّ الزَّيتِ، فقد انتهَى أيضًا حرُّه.
وقد حُدِّثت عن معمرِ بن المثنى، أنه قال: سمِعتُ المُنتَجِعَ ¬في ص: "المنتهجع"، وفى ت 1، ف: "المتهجع". وهو المنتجع بن نبهان. ينظر إنباه الرواة 3/ 323.¥ بنَ نبهانَ يقولُ واللَّهِ لَفلانٌ أبغضُ إليَّ من الطَّلْياءِ والمُهلِ. قال: فقُلنا له: وما هما؟ فقال: الجَرْباءُ ¬يعنى بالجرباء: الناقة المطلية بالقطران. ينظر لسان العرب (ط ل ى).¥، والمَلَّةُ ¬الملة: التراب الحار والرماد أو الجمر يخبز أو يطبخ عليه. الوسيط (م ل ل).¥ التي تَنْحَدِرُ عن جوانبِ الخُبزةِ إِذا مُلَّت ¬في ت 2: حلت ومُلت: قُلبت. الوسيط (م ل ل).¥ في النارِ مِنَ النارِ، كأنها سِهْلةٌ ¬السهلة: رمل خشن ليس بالدقاق الناعم. لسان العرب (س هـ ل).¥ حمراءُ مدقَّقةٌ، فهي جَمْرَةٌ ¬في م، ف: "أحمرة". والمثبت موافق لما في مجاز القرآن 1/ 400.¥.
فالمُهلُ إذًا هو كلُّ مائعٍ قد أُوقِد عليه حتى بلَغَ غايةَ حرَّه، أو لم يكنْ مائعًا، فانْماعَ بالوَقودِ عليه، وبلَغ أقصَى الغايةِ في شدَّةِ الحرِّ.
وقوله: {يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ}. يقول جلَّ ثناؤُه: يشْوِي ذلك الماءُ الذي يُغاثُون به وجوهَهم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: ثنا بقيَّةُ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن عبيدِ اللَّهِ بن بُسْرٍ - هكذا قال ابن خلَفٍ - عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: 16]. قال: "يُقَرَّبُ إليه فيتكرَّهُه، فإذا قَرُب منه شَوَى وجْهَه، ووقَعت فَرْوة رأسِه، فَإِذَا شَرِب قطَّع أمعاءَه، يقولُ اللَّهُ: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} " ¬أخرجه نعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك 1/ 89، عن صفوان به. وأحمد 5/ 265 (الميمنية)، والترمذي (2583)، وينظر ما تقدم في 13/ 620، 621.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطالَقانيُّ ويَعْمَرُ بنُ بشرٍ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن صفوانَ، عن عبيدِ ¬م: "عبد". ينظر تهذيب الكمال 13/ 158، 159.¥ اللَّهِ بن بُسْرٍ ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "بشر". وينظر المصدر السابق.¥، عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمثلِه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ وهارونَ بن عَنْتَرةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال هارونُ: إذا عام ¬في م: "جاع". وعام: اشتدت شهوته إلى اللبن. لسان العرب (ع ى م).¥ أهلُ النارِ. وقال جعفرٌ: إذا جاع ¬في م: "جاء".¥ أهلُ النارِ - استغاثُوا بشجرةِ الزقُّومِ، فأكَلوا منها، فاخْتَلَست ¬اختلست: استلبت لسان العرب (خ ل س).¥ جلودَ وُجوهِهم، فلو أن مارًّا مرَّ بهم يَعرِفُ ¬في ص، م، ت 1، ف: "يعرفهم لعرف". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير.¥ جُلودَ وُجوهِهم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العَطَشُ، فيَسْتَغيثون، فيُغاثُون بماءٍ كالمُهْلِ، وهو الذي قد انتهَى حرُّه، فإذا أدْنَوْهُ مِن أَفْوَاهِهِم انشَوى مِن حرِّه لُحومُ وُجوهِهم التي قد سقَطت عنها الجلودُ ¬أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (68)، وأبو نعيم في حلية الأولياء 4/ 285 من طريق ابن حميد به. وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 7/ 18 - من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى عبد بن حميد.¥.
وقوله: {بِئْسَ الشَّرَابُ}. يقولُ عزَّ ذكرُه: بئس الشرابُ هذا الماءُ الذي يُغاثُ به هؤلاء الظالمون في جهنَّمَ، الذي صِفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.
وقولُه: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}. يقولُ عزَّ ذكرُه: وساءتْ هذه النارُ التي أعْتَدْناها لهؤلاء الظالمين مُرْتَفَقًا.
والمُرْتَفَقُ في كلامِ العربِ: المتكأُ، يقالُ منه: ارْتفقُتُ. إذا اتَّكأْتَ، كما قال الشاعرُ ¬البيتان في النوادر لأبي زيد 128، وأمالي القالى 2/ 96 ولسان العرب (غ ز ل) وفي الأخيرين برواية: ودعوة القوم ألا هل من فتى؛ وفى اللسان أيضًا برواية: دعت سليمى دعوة هل من فتى. وجاء في كل غير منسوب.¥.
قالَتْ له وارْتَفَقَتْ أَلا فَتَى
يَسُوقُ بالقومِ غَزَالاتِ الضُّحَى
أراد: واتَّكأت على مِرْفقِها. وقد ارتَفَق الرجلُ. إذا بات على مِرْفقِه ¬في ص، ت 1، ف: "مرفقيه".¥ لا يأتيه نومٌ. وهو مُرْتفِقٌ. كما قال أبو ذُؤيبٍ الهُذَليُّ ¬ديوان الهذليين 1/ 104 ورواية الديوان: "مشتجرا" وعليها لا شاهد فيه. وبلفظ المصنف أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 400.¥:
نام الخِلَيُّ وبتُّ الليلَ مرتفقًا ... كأنَّ عَيْنِيَ فيها الصَّابُ ¬الصَّاب: شجر إذا اعتصر خرج منه كهيئة اللَّبن، إذا وقعت منه قطرة في العين كأنها شهاب نار. اللسان (ص و ب).¥ مَذْبُوحُ
وأمَّا مِن الرِّفْقِ فإنَّه يقال: قد ارْتَفَقْتُ بك مُرْتَفَقًا.
وكان مجاهدٌ يتأوَّلُ قولَه: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} يعنى المجتمَعَ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {مُرْتَفَقًا}. قال: مجتمَعًا ¬تفسير مجاهد ص 447، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 221 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}. قال: مُجتمعًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ولستُ أعرِفُ الارتِفاقَ بمعنى الاجتماعِ في كلامِ العربِ، وإنَّما الارتِفاقُ افتِعالٌ، إما مِن المَرفِقِ، وإما مِن الرِّفْقِ.

تفاسير بلغات أخرى · 6