تفسير هذه الآية

السورة 18 : الآية 81

السورة 18 : الآية 81

فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


وقولُه: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا}. اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه جماعةٌ من قَرَأَةِ المَكِّيين والمَدَنيين والبَصْريين: (فأرَدَنا أَنْ يُبَدِّلَهُمَا رَبُّهُما) ¬وهى قراءة نافع وأبى عمرو. الكشف 2/ 72، وحجة القراءات ص 427.¥. وكان بعضُهم يَعْتَلُّ لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشدَّدًا فى عامَّةِ القرآنِ؛ كقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 59]، وقولِه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]، فأَلْحَق قوله: (فأردنا أنْ يُبَدِّلَهُما بِهِ). وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الكُوفَةِ: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا} بتخفيف الدالِ ¬وهى قراءة باقى السبعة. المصدرين السابقين.¥. وكان بعضُ مَن قرَأ ذلك كذلك مِن أهلِ العربيةِ يقولُ: أَبْدَل يُبْدِلُ بالتخفيفِ، وبَدَّل يُبَدِّلُ بالتشديدِ بمعنًى واحدٍ.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان متقارِبَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القَرَأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقيل: إِن اللهَ عَزَّ وجلَّ أَبْدَل أَبَوَيِ الغلامِ الذي قتَله صاحبُ موسى منه بجاريةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا المباركُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ في قولِه: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}. قال: بلَغنى أنَّها جاريةٌ ¬عزاه الحافظ فى الفتح 8/ 421 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرنى سليمانُ بنُ أُمَيَّةَ، أَنه سَمِع يعقوبَ بنَ عاصمٍ يقولُ: أُبْدِلَا مكانَ الغلامِ جاريةً ¬عزاه الحافظ فى الفتح 8/ 422 إلى المصنف.¥.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخبَرَنى عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، أَنه سَمِع سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ يقولُ: أُبْدِلا مكانَ الغلامِ جاريةً ¬سقط من: م.¥.
وقال آخرون: بل ¬ذكره البغوى فى تفسيره 5/ 195، وابن كثير في تفسيره 5/ 181، والحافظ في الفتح 8/ 422.¥ أبدَلهما ربُّهما بغلامٍ مسلمٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً}. قال: كانت أمُّه حُبْلَى يومَئذٍ بغلامٍ مسلمٍ ¬في م: "فليرض".¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه ذكَر الغلامَ الذى قتَله الخَضِرُ فقال: قد فَرِح به أبواه حينَ وُلِد، وحَزِنا عليه حينَ قُتِل، ولو بَقِى كان فيه هلاكُهما، فرَضِيَ ¬¥ امْرُؤٌ بقضاءِ اللهِ، فإن قضاءَ اللهِ للمؤمنِ فيما يَكْرَهُ خيرٌ له من قضائِه فيما يُحِبُّ ¬أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (20211) -ومن طريقه البيهقى فى الشعب (10172) - من طريق معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 238 إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقولُه: {خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً}. يقولُ: خيرًا من الغلامِ الذي قتَله صلاحًا ودينًا.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قولَه: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً}. قال: الإسلامُ ¬عزاه الحافظ فى الفتح 8/ 421، والسيوطى فى الدر المنثور 4/ 238 إلى أبي عبيد وابن المنذر.¥.
وقولُه: {وَأَقْرَبَ رُحْمًا}. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأقربَ رحمةً بوالدَيْه، وأبرَّ بهما من المقتولِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {وَأَقْرَبَ رُحْمًا}: أبرَّ بوالِدَيه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 407.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَأَقْرَبَ رُحْمًا}، أي: أقربَ خيرًا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقربَ أن يَرْحَمَه أبواه منهما للمقتولِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: {وَأَقْرَبَ رُحْمًا}: أرحمَ به منهما بالذى قتَل الخَضِرُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 181.¥.
وكان بعضُ أهل العربية يَتَأَوَّلُ ذلك ¬هو قول الفراء فى معاني القرآن 2/ 157.¥: وأقربَ أَن [يُرْحَما به] ¬في م: "يرحماه".¥. والرُّحْمُ مصدرُ رَحِمْتُ، يقال: رَحِمتُه رَحْمةً ورُحْمًا.
وكان بعضُ البَصْرِيين يقولُ ¬هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1/ 413.¥: من الرَّحِم والقرابة. وقال ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "قد".¥: يقالُ: رُحْمٌ ورَحْمٌ، مثل: [عُمْرٌ وعَمْرٌ] ¬في م: "عُسْر وعُسُر".¥، وهُلْكٌ وهَلْكٌ. واستشَهد لقولِه ذلك ببيتِ العَجّاجِ ¬ديوانه ص 381. وفيه: "ولم تَعَرَّجُ رُحْم مَن تَعَرَّجا"، وبحاشية أصل الديوان كما عندنا.¥:
ولَمْ تَعَوَّجْ رُحْمَ مَن تَعَوَّجا ¬الضمير يعود إلى الحرب، فهي لا تحيد عن من كرهها وحاد عنها بل تمضى على وجهها، أي لم ترحم أحدا. ينظر الديوان ص 382.¥
ولا وجهَ للرَّحِمِ فى هذا الموضعِ؛ لأن المقتولَ كان و ¬سقط من: م.¥ الذي أبدَل اللهُ منه والِدَيه ولدًا لأَبَوَى ¬في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، ف: "لأبي".¥ المقتول، فقرابتُهما من والدَيه وقربُهما منه في الرَّحِم سواءٌ. وإنما معنى ذلك: وأقربَ من المقتولِ أن يَرْحَمَ والديه فيَبَرَّهما، كما قال قتادةُ. وقد يَتَوَجَّهُ الكلامُ إلى أن يكونَ معناه: وأقربَ أن [يُرْحَما به] ¬¥. غيرَ أنه قائلَ من أهل التأويلِ تأوَّله كذلك، فإذ لم يَكُنْ [قال به] ¬فى ص، م، ت 1، ت 2، ف: "فيه".¥ قائلٌ، فالصوابُ فيه ما قلنا؛ لِمَا بَيَّنَّا.

تفاسير بلغات أخرى · 5