تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)}.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قولِ صاحبِ موسى: وأمّا الحائطُ الذي أَقَمْتُه، فإنه كان لغُلامَين يَتِيمَين فى المدينةِ، وكان تحتَه كَنْزٌ لهما.
اختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك الكَنْزِ؛ فقال بعضُهم: كان صُحُفًا فيها عِلْمٌ مدفونةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عَمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه ابنِ عباسٍ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: كان تحتَه كَنْرُ علمٍ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 182.¥.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: علمٌ ¬تفسير الثورى ص 178 عن أبي حصين، عن سعيد.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن أبي حُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: علمٌ.
[حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: نا عبد الرحمن، قال: نا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: علمٌ ¬تفسير الثورى ص 178.¥] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: صحفٌ لغلامين فيها علمٌ ¬تفسير مجاهد ص 450¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: صحفُ علمٍ.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفَارِيُّ، قال: ثنا هَنّادَةُ ابنةُ مالكٍ الشَّيْبانِيةُ، قالت: سَمِعتُ صاحبى حمادَ بنَ الوليدِ الثَّقَفيَّ، يقولُ: سَمِعتُ جعفرَ بنَ محمدٍ، يقولُ في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: سطران ونصفٌ، لم يَتِمَّ الثالثُ! عَجِبتُ ¬في الأصل: "عجب".¥ للمُوقِنِ بالرزقِ كيف يَتْعَبُ! وعَجِبتُ ¬في الأصل: "سيّاحا". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 183.¥ للمُوقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ! وعَجِبتُ ¬فى ص، م، ت 1، ف: "سلمة". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 27/ 573.¥ للمُوقِن بالموتِ كيف يَفْرَحُ! وقد قال: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]. قالت: وذُكر أنهما حُفظا بصلاحِ أبيهما، ولم يُذْكَر منهما صلاحٌ، وكان بينَهما وبينَ الأبِ الذى حُفِظا به سبعةُ آباءٍ، وكان نَسّاجًا ¬¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبِ بنِ نَدَبَةَ، قال: ثنا مَسْلَمةُ ¬¥ بنُ محمدٍ، عن نُعَيْمٍ العَنْبَريِّ، وكان من جُلساءِ الحسنِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: لوحٌ من ذهبٍ مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ ¬في م، ت 1، ت 2: "عجبت".¥ لمن يُؤْمِنُ بالقَدَرِ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف¥ كيف يَحْزَنُ! وعَجَبٌ (1) لمن يُوقِنُ بالموتِ كيف يَفْرَحُ! وعَجَبٌ (1) لمن يَعْرِفُ الدنيا وتَقَلُّبَها بأهلِها كيف يَطْمَئنُّ إليها! لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ ¬أخرجه اللالكائي في الاعتقاد (1249) من طريق يعقوب به وسقطت منه عبارة: قال: سمعت الحسن.
وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 182.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن عُمارة، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ؛ أنه كان يقولُ: ما كان الكَنْرُ إِلا عِلْمًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 375 مطولا.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: صُحُفٌ من علمٍ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 407.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةَ، قال: إن الكَنْزَ الذي قال اللهُ في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها الكهفُ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: كان لوحًا من ذهبٍ مُصْمَتٍ، مكتوبٌ فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، عَجَبٌ ممن عرَف الموتَ ثم ضَحِك! عَجَبٌ من أَيْقَنَ بالقدرِ ثم نَصِبَ، عَجَبٌ ممن أَيْقَن بالموتِ ثم أَمِن، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إِلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 182.¥.
وقال آخرون: بل كان مالًا مكنوزًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: كَنْزُ مالٍ ¬تفسير الثورى ص 178.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه ¬في م: "نسمعه". وقوله: لم يسمعه منه. أي: لم يسمعه أبو حصين من عكرمة.¥.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو حُصَيْنٌ، عن عكرمةَ مثلَه. قال شعبةُ: ولم يَسْمَعْه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 407.¥ منه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا}. قال: مالٌ لهما. قال قتادةُ: أُحِلَّ الكَنْزُ لمن كان قَبْلَنا، وحُرَّم علينا [وحُرِّمَت الغنيمةُ على من كان قبلَنا وأُحِلَّت لنا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} الآية. فلا يُعْجِبُنى الرجلُ يقولُ: ما شأنُ الكَنْزِ؟ أُحِلَّ لمن كان قبلنا وحُرِّم علينا] ¬¥ فإن الله يُحِلُّ من أمرِه ما يشاءُ ويُحَرِّمُ، وهي السننُ والفرائضُ، ويُحِلُّ لأمَّةٍ ويُحَرِّمُ على أخرَى، ولكنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ من أحدٍ مضَى إلا الإخلاصَ والتوحيدَ له.
وأَوْلَى التأويلين في ذلك بالصوابِ القولُ الذي قاله عكرمةُ؛ لأن المعروفَ من كلامِ العربِ أن الكَنْزَ اسمٌ لِمَا يُكْنَزُ من مالٍ، وأن ¬بعده في الأصل: "كان".¥ كلَّ ما كُنز فقد وقَع ¬في الأصل، ت 2: "يقع".¥ عليه اسمُ كَنزٍ، فإن التأويلَ مصروفٌ إلى الأغلبِ من استعمالِ المخاطَبِين بالتنزيلِ، ما لم يَأْتِ دليلٌ يَجِبُ من أجله صرفُه إلى غيرِ ذلك؛ لعللٍ قد بَيَّناها في غيرِ موضعٍ، وقولُه: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا}. يقولُ: فأراد ربُّك أن يُدْرِكا ويَبْلُغا قوَّتَهما وشِدَّتهما، {وَيَسْتَخْرِجَا} حينَئذٍ {كَنْزَهُمَا} المكنوزَ تحتَ الجدارِ الذي أَقَمْتُه {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} بهما. يقولُ: فعلتُ فعلى ¬سقط من: م.¥ هذا بالجدارِ رحمةً من ربِّكَ لليَتِيمَيْن.
وكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مشعَرِ، عن عبد الملكِ بن مَيْسَرَةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}. قال: حُفِظا بصلاحِ أبيهما، وما ذُكِر منهما صلاحٌ ¬أخرجه ابن المبارك في الزهد (332) من طريق مسعر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 235 إلى أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا سفيانُ، عن مِسْعَرٍ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرَةً، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه ¬أخرجه الحميدى في مسنده (372)، والحاكم 2/ 369 من طريق سفيان.¥.
وقولُه: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمرِي}. يقولُ: وما فعلتُ يا موسى جميعَ الذي رأيتَني فعَلتُه عن رأيِي ومن تِلْقاءِ نفسى، وإنما فعَلتُه عن أمرِ اللهِ إيايَ به.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}، كان عبدًا مأمورًا، فمضَى لأمرِ اللَّهِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 238 إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}، ما رأيتَ أَجْمَعَ ما فعلتُه عن نفسي.
وقولُه: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}. يقولُ: هذا الذي ذكَرْتُ لك من الأسبابِ التي من أجلِها فعلتُ الأفعالَ التي استَنكَرْتَها منِّى {تَأْوِيلُ}. يقولُ: ما تَقُولُ إليه وتَرْجِعُ الأفعالُ التي لم تَسْتَطِعْ ¬في ص، م، ت 1، ف: "تسطع".¥ على تركِ مسئلتِك إيايَ عنها وإنكارِكها ¬في ص، م، ت 1، ف: "إنكارك لها".¥ صبرًا.
وهذه القِصصُ التي أخبر اللهُ عزَّ وجلَّ نبيِّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بها عن موسى وصاحبِه، تأديبٌ منه له، وتَقَدُّمٌ إليه بترك الاستعجالِ بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستَهْزَءوا ¬بعده في م: "به و".¥ بكتابِه، وإعلامٌ منه له أن أفعالَه وإن جرَتْ فيما ترَى الأعينُ بما قد يَجْرِى مثله أحيانًا لأوليائِه، فإن تأويلَه صائرٌ بهم إلى أحوالِ أعدائِه فيها، كما كانت أفعالُ صاحبِ موسى واقعةً بخلافِ الصحةِ في الظاهرِ عند موسى، إذ لم يكنْ عالمًا بعواقبِها، وهى ماضيةٌ على الصحةِ في الحقيقةِ، وآيِلةٌ إلى الصوابِ في العاقبةِ، يُنْبِيءُ عن صحةِ ذلك قولُه: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58]. ثم عَقَّب ذلك بقصةِ موسى وصاحبه؛ يُعْلِمُ نبيَّه أن تَرْكَه جلَّ جلاله تَعْجِيلَ العذابِ لهؤلاء المشركين لغيرِ ¬في ص، م، ف: "بغير".¥ نظَرٍ منه لهم، وإن كان ذلك فيما يَحْسِبُ من لا علمَ له بما اللَّهُ مُدَبِّرٌ فيهم نَظَرًا منه لهم؛ لأن تأويلَ ذلك صائرٌ إلى هلاكِهم وَبَوارِهم بالسيفِ في الدنيا، واستحق
اقِهم من اللهِ في الآخرةِ الخِزْي الدائمَ.