تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا}. اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وجعلني نفَّاعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن حماد الطَّلْحيُّ، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليثٍ، عن ليث، عن مجاهد: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا}. قال: نفَّاعًا ¬أخرجه البيهقي في الشعب (7661) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 33 (مخطوط) - من طريق ليث به.¥.
وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بنِ خُنيسٍ المخزوميُّ، قال: سمعتُ وُهيب بن الورد مولى بني مخزومٍ، قال: لَقِيَ عالمٌ عالمًا ¬بعده في م: "لما".¥ هو فوقه فى العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أُعلنُ من عملي ¬في م: "علمي".¥؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّه دينُ اللهِ الذي بَعَثَ بهِ أنبياءه إلى عباده. وقد اجتمع الفقهاء على قولِ اللهِ: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ}.
وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 223 نقلا عن المصنف.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: جعلنى معلِّمَ الخيرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان في قوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ}. قال: معلِّم الخيرِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 223.¥.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهد قوله: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ}. قال: معلِّمًا للخير حيثما كنتُ ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 270، 271 إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقولُه: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ}. يقول: وقضى أن يوصينى بالصلاة والزكاة. يعنى: بالمحافظة على حدودِ الصلاة وإقامتها على ما فرضها عليَّ. وفى الزكاةِ معنيان: أحدهما؛ زكاة الأموال أن يؤدِّيَها. والآخرُ: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصانى بترك الذنوب واجتناب المعاصى.
وقوله: {مَا دُمْتُ حَيًّا}. يقولُ: ما كنتُ حيًّا في الدنيا موجودًا، وهذا يُبِينُ عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع تطهير البدن من الذنوب؛ لأنَّ الذى يوصف به عيسي صلواتُ الله وسلامه عليه أنه كان لا يدَّخِرُ شيئًا لغدٍ، فتجبَ عليه زكاةُ المالِ، إلَّا أن تكون الزكاة التى كانت فُرضَت عليه الصدقة بكلِّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا.