تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ}. اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والبصرة ¬هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 410.¥: (وَأَنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ).
واختلف أهل العربية فى وجه فتح "أنَّ" إذا فُتحت؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفة (1): فُتِحت ردًّا على عيسى وعطفًا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أنَّ الله ربِّى وربُّكم، وإذا كان كذلك كانت "أن" رفعًا. قال ¬هو قول الفراء فى معاني القرآن 2/ 168.¥: وتكون بتأويل خفض، كما قال: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى} [الأنعام: 131]. قال: ولو فُتحت على قوله: {وَأَوْصَانِي} بأنَّ الله، كان وجهًا.
وكان بعضُ البصريين ¬حكاه أبو حيان عن أبي عبيدة عن أبي عمرو، ينظر البحر المحيط 6/ 190.¥ يقول - وذكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح -: إنما فُتحت "أنَّ" بتأويل: قَضَى أَنَّ اللهَ رَبِّي وربُّكم.
وكانت عامة قرأةِ الكوفيين ¬وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 410.¥ يقرءونه: {وَإِنَّ اللَّهَ} بكسر "إن" بمعنى النسَقِ على قوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ}.
ورُوى عن أُبيِّ بن كعبٍ أنه كان يقرؤُه: (فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربى وربكم) بغير واوٍ ¬هي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط 6/ 189.¥.
والقراءة التي نختارُ فى ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قُرِئ كذلك لم يكن لها موضعٌ، وقد يجوز أن تكون عطفًا على "إن" التى مع قوله: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} - {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ}. ولو قال قائلٌ، ممن قرأ ذلك نصبًا: نُصِبَ على العطفِ على "الكتاب" بمعنى: أتاني الكتاب، وأتانيَ أنَّ الله ربِّي وربُّكم، كان وجهًا حسنًا.
ومعنى الكلام: وإنى وأنتم أيُّها القومُ جميعًا لله عبيدٌ، فإيَّاه فاعبدوا دونَ غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ من قال ذلك:
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهب ابن منبِّهٍ، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه: (أنَّ الله ربى ورَبُّكُم فاعبدُوهُ هذا صراطٌ مستقيم)، أي: إنِّى وإيَّاكم عبيد الله، فاعبُدوه ولا تعبُدُوا غيرَه.
وقوله: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}. يقولُ: هذا الذي أوصيتُكم به، وأخبرتكم أنَّ اللهَ أمرنى به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى؛ لأنه دينُ اللهِ الذى أمرَ به أنبياءه.