تفسير هذه الآية

السورة 19 : الآية 5

السورة 19 : الآية 5

وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا

تفسير ابن كثير

وقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول، وعن الكسائي: أنه سكن الياء ¬القراءاتان متواترتان.¥ كما قال الشاعر:

كأن أيديهن في القاع القِرق ¬القرِق: المكان المستوي، إذ يصف الراجز إبلًا بالسرعة.¥ ... أيدي جوار يتعاطَينَ الورق ¬أي: الفضة، والشاهد فيه أن الراجز سكّن ياء "أيديهن"، وهي اسم كأن.¥

وقال الآخر:

فتى لو يُباري الشمس ألقت قناعَها ... أو القمرَ الساري لألقى المقالدا ¬الشاهد فيه أيضًا تسكين الياء في "الساري".¥

ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:

تغاير الشعرُ منه إذ سهرتُ له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل ¬ديوان أبي تمام ص 227، والشاهد فيه تسكين الياء في "قوافيه".¥

وقال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي: العصبة ¬قول مجاهد أخرجه الثوري والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقوله السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.¥.

وقال أبو صالح: الكلالة ¬أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.¥.

وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه كان يقرؤها (وإني خفَّت الموالي من ورائي) بتشديد [الفاء] ¬كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل صحفت إلى: "الياء".¥ ¬أخرجه الطبري تعليقًا، وهي قراءة شاذة تفسيرية.¥ بمعنى: قلّت عصباتي من بعدي.

وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدًا يكون نبيًا من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.

الثاني: أنه ¬أي: الوجه الثاني.¥ لم يذكر أنه كان ذا مال؛ بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه ¬تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.¥، ومثل هذا لا يجمع مالًا ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نورث، ما تركنا فهو صدقة" ¬أخرجه الشيخان من حديث عمر - رضي الله عنه - (صحيح البخاري، فرض الخمس، باب فرض الخمس ح 197، وصحيح مسلم، الجهاد، باب حكم الفيء ح 1758).¥.

وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء لا نورث" ¬سنن الترمذي، السير، باب ما جاء في تركة النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 1610)، وسنده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير.¥، وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)}.

تفاسير بلغات أخرى · 5