تفسير ابن كثير
{يَرِثُنِي} على ميراث النبوة، ولهذا قال: {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} كما قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16] أي: في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذْ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصّة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة" ¬تقدم تخريجه في الحديث السابق.¥.
قال مجاهد في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}: كان وراثته علمًا، وكان زكريا من ذرية يعقوب ¬أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥.
وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: يكون نبيًا كما كانت آباؤه أنبياء ¬أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح.¥.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥.
وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.
وعن مالك، عن زيد بن أسلم {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: نبوتهم ¬سنده صحيح.¥.
وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة ¬أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضًا.¥، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يرحم الله زكريا وما كن عليه من وراثة ماله، ويرحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد" ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل لكن له أصل في الصحيحين، فقد أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ. . .} [الأعراف: 80] ح 3375، وصحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم - 237/ 153).¥.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك هو: ابن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال: هب لي من لدنك وليًا يرثني ويرث من آل يعقوب" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بسابقه وأصله.¥. وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.
وقوله: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} أي: مرضيًا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.