تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 151

السورة 2 : الآية 151

كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)}.
يَعني بقولِه تعالى ذكرُه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا}. ولأُتِمَّ نعمَتِي عليكم ببيانِ شرائِع ملّتِكم الحنيفيّةِ وأهديَكم لدينِ خليلِي إبراهيمَ، فأجعَلَ لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألَنِيها فقال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] كما جعَلتُ لكم دَعوَتَه التي دعانِي بها، ومسألَته التي سألَنيها فقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] فابتعثْتُ منكم رسولِي الذي سألَني خليلي إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ أن أبعَثَه من ذُرِّيتِهما.
فـ {كَمَا} إذن - إذ كان ذلك معنى الكلامِ - صلةٌ لقولِ اللهِ: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [وتأويلُه: ولأُتمَّ نعْمتي عليكم كما أرسلْنَا فيكم رسولًا منكم] ¬في م: "ولا يكون قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ}. متعلقا بقوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} ". وهو جيد أيضًا.¥.
وقد قال قومٌ ¬هو الفراء في معاني القرآن 1/ 92.¥: إن مَعنى ذلك: فاذْكُروني كما أرسَلْنا فيكم رسولًا منكم أذكُرْكم. وزعَموا أن ذلك من المقدَّمِ الذي مَعناه التأْخيرُ، فأغرَقوا النَّزْعَ ¬أغرق النازع في القوس: أي استوفى مدها، يضرب مثلا للغلو والإفراط. اللسان (غ ر ق).¥، وبعُدوا من الإصابةِ، وحمَلوا الكلامَ على غيرِ معناه المعروفِ، وسِوَى وجهِه المفهومِ. وذلك أن الجاريَ من الكلامِ على ألسُنِ العربِ، المفهومَ في خطابِهم بينَهم، إذا قال بعضُهم لبعضٍ: كما أحسَنتُ إليك يا فلانُ فأحسِنْ. أن لا يشترطوا: لأُحسن ¬في م: "للآخر".¥. لأن الكافَ في "كما" شرطٌ، معناه: افعَلْ كما فعَلتُ. ففي مجئ جوابِ: {فَاذْكُرُونِي}. بعدَه، وهو قولُه: {أَذْكُرْكُمْ} أوضحُ الدليلِ على أن قولَه: {كَمَا أَرْسَلْنَا} من صلةِ الفعلِ الذي قبلَه، وأن قولَه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} خبرٌ مبتدأٌ منقطِعٌ عن الأَولِ، وأنه من سببِ قولِه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} بمعزِلٍ.
وقد زعَم بعضُ النحْويين ¬هو من قول الفراء أيضًا، ينظر معاني القرآن 1/ 92.¥ أن قولَه: {فَاذْكُرُونِي} إذا جُعِل قولُه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} جوابًا له جمع قولِه: {أَذْكُرْكُمْ} نظيرُ الجزاءِ الذي يُجابُ بجوابين، كقولِ القائلِ: إذا أتاك فلانٌ فائْتِه تُرْضِه. فيصيرُ قولُه: فائْته ¬بعده في م: "و".¥ تُرْضِه جَوابين لقولِه: إذا أتاك. وكقولِه: إن تأتني أُحسِنْ إليكَ أُكْرِمْك.
وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهبِ، فليس بالأشهرِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بالأسهل".¥ الأفصحِ في كلامِ العربِ، والذي هو أوْلَى بكتابِ اللهِ أن يوجَّهَ إليه من اللغاتِ الأفصحُ الأعرفُ من كلامِ العربِ، دونَ الأنْكَرِ الأجهلِ من منطقِها. هذا، مع بُعد وَجْهِه من المفهومِ في التأويلِ.
ذكرُ من قال: إن قولَه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} جوابٌ لقولِه: {فَاذْكُرُونِي}.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِ اللهِ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ}: كما فعَلتُ فاذْكرونِي.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال. حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬تفسير مجاهد ص 217، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 259 (1391)، وينظر تفسير البغوي 1/ 166، 167. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 148 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وقد سقط أوله من المطبوع.¥.
[وأمّا] ¬سقط من: م.¥ قولُه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} فإنه يَعني بذلك العربَ، قال لهم: الزَموا أيها العربُ طاعتي، وتوجَّهوا إلى القِبلةِ التي أمَرْتكم بالتوجُّهِ إليها، لتنقطِعَ حُجَّةُ اليهودِ عنكم، فلا تكونُ لهم عليكم حُجّةٌ، ولأُتمَّ نعمتي عليكم وتهْتدوا، كما ابتدَأْتكم بنعمَتي، فأرسَلْتُ فيكم رسولًا إليكم منكم. وذلك الرسولُ الذي أرسَلَه إليهم منهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} يعني محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 259 عقب الأثر (1392) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وأما قولُه: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} فإنه يعني آياتِ القرآنِ. وبقولِه: {وَيُزَكِّيكُمْ} ويطهِّرُكم من دَنسِ الذنوبِ: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} وهو القرآنُ ¬في م: "الفرقان".¥، يعني أنه يعلِّمُهم أحكامَه. ويعني بالحكمةِ السُّننَ والفقهَ في الدينِ، وقد بيَّنا جميعَ ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهِدِه ¬ينظر ما تقدم في ص 575.¥.
وأما قوله: {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} فإنه يَعني: ويعلِّمُكم من أخبارِ الأنبياءِ، وقَصصِ الأممِ الخاليةِ، والخبرِ عما هو حادثٌ وكائنٌ من الأمورِ التي لم تكنِ العربُ تعلَمُها. فعلَّمهموها ¬في م: "فعلموها من".¥ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فأخبَرهم اللهُ أن ذلك كلَّه إنما يُدْرِكونه برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

تفاسير بلغات أخرى · 6