تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.
يَعني بقولِه: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ومن أيِّ مكانٍ وبقعةٍ شَخَصْتَ فخرَجتَ يا محمدُ، فحوِّلْ ¬في م، ت 2، ت 3: "فول".¥ وجهَك تلقاءَ المسجدِ الحرامِ، وهو شطرُه.
ويَعني بقولِه: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرضِ اللهِ، فولُّوا وُجوهَكم في صَلواتِكم تُجاهَه وقِبَلَهُ وقَصْدَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}.
فقال جماعةٌ من أهلِ االتأويلِ: عَنى اللهُ بالناسِ في قولِه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ} أهلَ الكتابِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالُوا حين صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 258 عقب الأثر (1387) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 148 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالوا حينَ صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 258 عقب الأثر (1387) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
فإن قال قائلٌ: فأيَّةُ حُجَّةٍ كانت لأهلِ الكتابِ بصلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه؟
قيل: قد ذكَرْنا فيما مضَى ما رُوِي في ذلك، قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيناهم نحن! وقولَهم: يخالِفُنا محمدٌ في دينِنا ويتَّبعُ قبلَتَنا ¬ينظر ما تقدم في ص 657.¥! فهي الحُجَّةُ التي كانوا يحتَجُّون بها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه، على وجهِ الخُصومةِ منهم لهم، والتَّمويهِ منهم بها على الجُهّالِ وأهلِ الغَباءِ ¬في م: "العناد".¥ من المشرِكين.
وقد بينَّا فيما مضَى أن معنى حِجاجِ القومِ إيّاه الذي ذَكَره اللهُ في كتابِه إنما هو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "هي".¥ الخُصوماتُ والجدالُ، فقطَع اللهُ ذلك من حُجَّتِهم وحسَمه، بتحويلِ قِبلةِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمِنين به، من قِبلةِ اليهودِ إلى قِبلةِ خليلِه إبراهيمَ عليه السلامُ.
فذلك هو معنى قولِ اللهِ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} يَعني بـ"الناس"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصَفْتُ، وأما قولُه: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} فإنهم مشرِكو العربِ من قريشٍ، فيما تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}: قومُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. حدَّثني موسى قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: هم المشركون من أهلِ مكةَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}: يعني مشرِكي قريشٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 259 عقب الأثر (1389) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} قال: هم مشركو العربِ ¬سيأتي مطولا في ص 686.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}: والذين ظلَموا مشرِكو قريشٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: هم مشرِكو قريشٍ. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولِ عطاءٍ ¬ذكره البغوي في تفسيره 1/ 165. وينظر ما سيأتي في ص 687.¥.
فإن قال قائلٌ: فأيّةُ حُجةٍ كانت لمشرِكي قريشٍ على رسولِ اللهِ وأصحابِه في توجُّهِهم في صلاتِهم إلى الكعبةِ؟ وهل يجوزُ أن يكونَ للمشرِكين على المؤمنين - فيما أمَرهم اللهُ به أو نَهاهم عنه - حُجةٌ؟
قيل: إن معنَى ذلك بخلافِ ما توهّمتَ وذهَبْتَ إليه، وإنما الحُجةُ في هذا الموضعِ الخصومةُ والجدلُ ومعنى الكلامِ: لئلَّا يكونَ لأحدٍ من الناسِ عليكم خُصومةٌ ودعوَى باطلٍ ¬في م، ت 2: "باطلة".¥، غيرَ مشرِكي قريشٍ، فإن لهم عليكم دعوَى باطلٍ ¬في م: "رجعت".¥ وخصومةً بغيرِ حقٍّ، بقيلِهم لكم: رجَع محمدٌ إلى قبلَتِنا، وسيرجِعُ إلى دينِنا. فذلك من قولِهم وأمانيِّهم الباطِلةِ، هي الحجةُ التي كانت لقريشٍ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه، ومن أجلِ ذلك استَثْنى اللهُ تعالى الذين ظلَموا من قريشٍ من سائرِ الناسِ غيرِهم، إذْ نفَى أن يكونَ لأحدٍ منهم في قبلتِهم التي وجَّههم إليها حُجَّةٌ.
وبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك منهم
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} قومُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. قال مجاهدٌ: يقولُ: حُجَّتُهم قولُهم: قد راجعْتَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 148 إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ: حجتهم ... ، وفي تفسير مجاهد ص 216: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} يعني: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحجتهم قولهم: تركت قبلتنا.¥ قبلَتَنا ¬¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلّا أنه قال: قولُهم: قد رجعْتَ إلى قِبلَتِنا؟.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} قالا: هم مشرِكو العربِ، قالوا حينَ صُرِفتْ القبلةُ إلى الكعبةِ: قد رجَع إلى قبلتِكم، فيوشِكُ أن يرجِعَ إلى دينِكم. قال اللهُ: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ¬في الأصل، وتفسير عبد الرزاق: (واخشون) بحذف الياء، والقرأة متفقة على إثبات الياء. وينظر إتحاف فضلاء البشر ص 91.
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 62. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور 1/ 148 إلى ابن المنذر وأبي داود في ناسخه. وينظر تفسير البغوي 1/ 165.¥}.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ قال: حدَّثنا سعيدٌ عن قتادةَ قولَه: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} والذين ظلَموا مشرِكو قريشٍ. يقولُ: إنهم سيحْتجُّون عليكم بذلك. فكانت حُجَّتُهم على نبيِّ اللهِ بانصرافِه ¬في ص: "انصرافه".¥ إلى البيتِ الحرامِ أنهم قالوا: سيرجِعُ إلى دينِنا كما رجَع إلى قِبلتِنا. فأنزَل اللهُ في ذلك كلِّه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 148 إلى المصنف وعبد بن حميد. وزاد فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه ¬تقدم مختصرًا في ص 684.¥.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ فيما يَذكُرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ قالوا ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3: "قال".¥: لما صُرِف نبيُّ اللهِ نحوَ الكعبةِ بعدَ صلاتِه إلى بيتِ المقدسِ، قال المشركون من أهلِ مكةَ: تَحيّر على محمدٍ دينُه، فتوجَّهَ بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه سبيلًا، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَلَ اللهُ فيهم: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 148 إلى المصنف، وينظر ما تقدم في ص 640، 641.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} قال: قالت قريشٌ لمّا رجَع إلى الكعبةِ وأُمر بها: ما كان يستغْنى عنَّا، قد استقْبلَ قبلَتَنا. فهي حُجَّتُهم، وهمِ الذين ظلَموا. قال ابنُ جريجٍ: وأخبَرني عبدُ اللهِ بنُ ¬بعده في الأصل: "أبي". وينظر تهذيب الكمال 15/ 468.¥ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولِ عطاءٍ، فقال مجاهدٌ: حُجّتُهم: قولُهم: رجَعتَ إلى قِبلَتِنا ¬ينظر ما تقدم في ص 684، 685.¥.
فقد أبان تأْويلُ من ذكَرنا تأْويلَه - من أهلِ التأويلِ - قولَه: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} عن صحةِ ما قلنا في تأويلِه، وأنه استِثناءٌ على [صحةٍ، بمعنى] ¬في م: "معنى".¥ الاستِثناءِ المعروفِ، الذي يَثْبُتُ فيه لما بعدَ حرفِ الاستثناءِ ما كان منفيًّا عما قبلَه، كما ¬بعده في م: "أن".¥ قولُ القائلِ: ما سار من الناسِ أحدٌ إلّا أخوك. إثباتٌ للأخِ من السَّيرِ ما هو مَنفيٌّ عن كلِّ أحدٍ من الناسِ. فكذلك قولُه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} نَفْيٌ عن أن يكون لأحدٍ خُصومةٌ وجَدَلٌ قِبلَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ودعوَى باطلٍ ¬في م: "باطلة".¥ عليه وعلى أصحابِه، بسببِ تَوجُّهِهم في صلاتِهم قِبلَ الكعبةِ، إلَّا الذين ظلَموا أنفسَهم من قريشٍ، فإن لهم قِبلَهُم خصومةً ودعوَى باطلٍ ¬في ص: "فتبين".¥، بأن يقولوا: إنما توجّهتُمْ إلينا وإلى قبلتِنا لأنا كنا منكم أهدَى سبيلًا، وأنكم كنتم بتوجُّهِكم نحوَ بيتِ المقدسِ على ضلالٍ وباطلٍ.
وإذْ كان ذلك معنَى الآيةِ بإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ، فبَيِّنٌ ¬كأنه يعني أبا عبيدة، فهذا القول له في مجاز القرآن 1/ 60.¥ خطأُ قولِ من زعَم أن معنَى قولِه: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} ولا الذين ظلَموا منهم ¬سقط من: م.¥. وأن معنى ¬في ص: "وجهه".¥ {إِلَّا} بمعنَى الواوِ؛ لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفْيُ الأولُ عن جميعِ الناسِ - أن يكونَ لهم حُجةٌ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه في تحوُّلِهم نحوَ الكعبةِ بوُجوهِهم - مُبَيِّنًا عن المعنَى المرادِ، ولم يكنْ في ذكرِ قولِه بعدَ ذلك: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} إلا التلْبيسُ الذي يتعالَى عن أن يُضافَ إليه أو يُوصفَ به. هذا مع خروجِ معنَى الكلامِ إذا وُجِّهَت ¬في ص، م: "معنى".¥ {إِلَّا} إلى معنَى الواوِ وبمعنَى ¬¥ العطفِ، من كلامِ العربِ. وذلك أنه غيرُ موجودةٍ "إلا" في شيْءٍ من كلامِها بمعنى الواوِ، إلَّا مع استثناءٍ سابقٍ قد تقدّمَها، كقولِ القائلِ: سارَ القومُ إلَّا عَمرًا إلَّا أخاك. بمعنى: إلّا عَمرًا وأخاك. فتكون "إلّا" حينئذٍ مؤدِّيةً عما تؤدِّي عنه الواوُ لتعلُّقِ "إلا" الثانيةِ [بـ"إلّا"] ¬في ص: "إلى".¥ الأُولى. ويُجم
عُ أيضًا فيها بينَ "إلّا" والواوِ، فيقالُ: سار القومُ إلّا عَمرًا، وإلّا أخاك. فتُحذفُ إحداهما فتنوبُ الأخرَى عنها، فيقالُ: سارَ القومُ إلّا عَمرًا وأخاك. أو: إلّا عَمرًا إلّا أخاك. لما وصَفْنا قبلُ.
فإذْ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لمدَّعٍ ¬هو أبو عبيدة معمر بن المُثَنَّى. ينظر مجاز القرآن 1/ 60.¥ من الناسِ أن يدّعِيَ أن {إِلَّا} في هذا الموضعِ بمعنى الواوِ التي تأتي بمعنَى العطفِ.
وواضحٌ فسادُ قولِ من زعَم أن معنى ذلك ¬هو الفراء، وما سيأتي هو نص كلامه في معاني القرآن 1/ 89.¥: إلّا الذين ظلَموا منهم، فإنهم لا حُجّةَ لهم، فلا تَخشَوْهم، كقولِ القائلِ في الكلامِ ¬في م، ت 2: "كلامه".¥: الناسُ كلُّهم لك حامدون، إلّا الظالمَ ¬بعده في معاني القرآن: "لك".¥ المعتدِيَ عليك، فإن ذلك لا يُعتدُّ بعُدْوانِه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بعداوته".¥، ولا بترْكِه الحمدَ لموضِعِ العداوةِ. وكذلك الظالمُ لا حُجةَ له، وقد سُمِّى ظالمًا - لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ على تخْطِئةِ ما ادَّعى من التأويلِ في ذلك. وكفَى شاهدًا على خطأِ مقالةٍ ¬في م، ت 2: "مقالته".¥ إجماعُهم على تخطِئَتِها.
وظاهرٌ بطولُ قولِ من زعَم أن الذين ظلَموا عهنا ناسٌ من العربِ كانوا يهودًا أو ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ نصارَى، فكانوا يحتَجُّون على النبيِّ، فأما سائرُ العربِ، فلم تكنْ لهم حُجّةٌ، وكانت حُجّةُ من يحتَجُّ مُنكسِرةً؛ لأنك تقولُ لمن تُريدُ أن تكَسِرَ عليه حُجَّتَه: إن لك عليَّ حُجّةً، ولكنها مُنكسِرَةٌ، إنَّك لتحتجُّ بلا حُجَّةٍ، وحُجّتُك ضعيفةٌ. ووَجَّه ¬التقدير: وظاهر بطلان قول من وجّه.¥ معنى: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} إلى معنَى: إلّا الذين ظلموا منهم من أهلِ الكتابِ، فإن لهم عليكم حُجةً واهيةً، أو حُجةً ضعيفةً. ووَهَاءُ ¬في النسخ عدا الأصل: "وهي" وهما بمعنى. وتقدير الكلام: وظاهر وهاء.¥ قولِ من قال: "إلّا" في هذا الموضعِ بمعنى "لكن". وضَعْفُ قولِ من زعَم أنه ابتداءٌ بمعنَى: إلّا الذين ظلَموا منهم فلا تخشوهم؛ لأن تأويلَ أهلِ التأويلِ جاءَ في ذلك بأن ذلك من اللهِ خبرٌ عن الذين ظلَموا منهم أنهم يحتَجُّون على النبيِّ وأصحابِه بما قد ذكرْنا، ولم يقصِدْ في ذلك إلى الخبرِ عن صفةِ حُجّتِهم بالضعفِ ولا بالقوَّةِ - وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلةٌ - وإنما قصَد فيه الإثباتَ للذين ظلَموا ما قد نَفَى عن الذين
قبلَ حرفِ الاستثناءِ من الصفةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: قال الربيعُ: إن يهوديًّا خاصمَ أبا العاليةِ فقال: إن موسى كان يُصلِّي إلى صخرةِ بيتِ المقدسِ. فقال أبو العاليةِ: كان يُصلِّي عند الصخرةِ إلى البيتِ الحرامِ. قال: قال فبيني وبينَك مسجدُ صالحٍ، فإنه نحَته من الجبلِ. قال أبو العاليةِ: قد صلّيتُ فيه وقبلتُه إلى البيتِ الحرامِ. قال الربيعُ: وأخبرَني أبو العاليةِ أنه مرَّ على مسجدِ ذِي القرنين وقِبلتُه إلى الكعبةِ.
وأما قولُه: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} يعني: فلا تخشَوْا هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم أمرَهم من الظلَمةِ ¬في م: "الظلم".¥، في حُجّتِهم وجدالِهم وقولِهم ما يقولُون من ¬في ص: "في".¥ أن محمدًا قد رجَع إلى قبلتِنا، وسيَرْجِعُ إلى دينِنا، أو أن يقدِرُوا لكم على ضُرٍّ في دينِكم، أو صَدِّكم عما هَداكم اللهُ له من الحقِّ، ولكن اخشوْني، فخافوا عقابي في خلافِكم أمرِي إن خالَفتُموه.
وذلك من اللهِ تقدُّمٌ إلى عبادِه المؤمنين، بالحضِّ على لزومِ قبلتِهم والصلاةِ إليها، وبالنَّهي عن التوجُّهِ إلى غيرِها. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واخشَوْني أيها المؤمنون، في ترْكِ طاعتي فيما أمَرتُكم به من الصلاةِ شطرَ المسجدِ الحرامِ.
وقد حُكِي عن السُّدِّيِّ في ذلك ما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} يقولُ: لا تخشَوْا أن أردَّكم في دينِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 259 (1390) عن أبي زرعة، عن عمرو به. وإلى هنا انتهى المجلد الثاني من نسخة دار الكتب المصرية. وقد أشرنا في المقدمة إلى أن الجزء الثالث منها غير موجود وتستأنف عند قوله جل ثناؤه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}. من الآية 220 من سورة البقرة.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)}.
يَعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} ومن حيث خرَجتَ من البلادِ والأرضِ إلى أيِّ بقعةٍ شَخَصْتَ، فولِّ وجْهَك شَطرَ المسجدِ الحرامِ، وحيثُ كنتَ أنت يا محمدُ والمؤمنون، فولُّوا وُجوهَكم في صلاتِكم شطْرَه، واتّخِذوه قِبلةً لكم، كيلا يكونَ لأحدٍ من الناسِ عليكم ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ سِوَى مشركِي قريشٍ حُجةٌ، وكي أُتِمَّ بذلك - من هِدايتي لكم إلى قبلةِ خليلِي إبراهيمَ، الذي جعَلْتُه إمامًا للناسِ - نعْمتي، فأُكمِلَ لكم به فضلي عليكم، وأتمِّمَ به شرائعَ ملَّتِكم الحنِيفيّةِ المسلمةِ التي وصَّيتُ بها نوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى وسائرَ الأنبياءِ غيرَهم.
وذلك هو نِعْمتُه التي أخبَرَ جلَّ ثناؤُه أنه مُتِمُّها على رسولِه والمؤمنين به من أصحابِه.
وقولُه: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} يعني: وكي [تَهْتَدوا فتَرْشُدوا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ترشدوا".¥ للصوابِ من القِبَلِ ¬في م، ت 2: "القبلة".¥. و {وَلَعَلَّكُمْ} عطفٌ على قولِه: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}، [وقولُه] ¬سقط من: م.¥ {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} عطفٌ على قولِه: {لِئَلَّا يَكُونَ}.