تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}.
يعني جل ثناؤُه بذلك: هل يَنْظُرُ المكذِّبون بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ والملائكةُ.
ثم اخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأ بعضُهم: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} بالرفعِ؛ عطفًا بالملائكةِ على اسمِ اللَّهِ ¬بالرفع قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وبالخفض قرأ أبو جعفر. ينظر النشر 2/ 171.¥، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ذكر من قال ذلك".¥.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، عن أبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ الرازيُّ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيهم اللَّهُ والمَلَائِكَةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ). قال: يأتي الملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، ويأتي اللَّهُ فيما شاء ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 373 (1963)، والبيهقي في الأسماء والصفات (943) من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 242 إلى ابن المنذر.¥.
وقد حُدِّثْتُ هذا الحديثَ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} الآية. وقال أبو جعفرٍ الرازيُّ: وهي في بعضِ القراءةِ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ). كقولِه: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} [الفرقان: 25].
وقرَأ ذلك آخَرون: (هل ينظُرون إلا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ والملائكةِ) بالخفضِ؛ عطفًا بالملائكةِ على الظُّللِ، بمعنى: هل ينظرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ.
وكذلك اختلَفت القَرأةُ في قراءةِ {ظُلَلٍ}؛ فقرَأها بعضُهم: {فِي ظُلَلٍ}. وبعضُهم: (في ظلالٍ) ¬هذه قراءة قتادة، وهي شاذة. ينظر المحتسب 1/ 122.¥.
فمَن قرَأها: {فِي ظُلَلٍ}. فإنه وجَّهها إلى أنها جمعُ ¬في الأصل: "جميع".¥ ظُلَّةٍ، والظُّلَّةُ تُجْمَعُ ظُلَل وظلال، كما تُجْمَعُ [الحُلةُ حُلل] ¬في م: "الخلة خلل وخلال". وفي ت 2: "الخلة خلل".¥، [والجُلة جِلال] ¬في م: "الجلة جلل وجلال".¥
وأمَّا الذي قرَأها: (في ظِلالٍ). فإنه جعَلها جمعَ ظُلَّةٍ، كما ذكَرْنا مِن جمعِهم [الجُلة جِلالًا] ¬في م: "الخلة خلال".¥.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُه كذلك وجَّهه إلى أن ذلك جمعُ ظِلٍّ؛ لأن الظُّلَّةَ والظِّلَ قد يُجْمعانِ جميعًا: ظِلال.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. لخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن مِن الغمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا" ¬أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (797) من حديث ابن عباس.¥. فدَلَّ بقولِه: "طاقاتٍ". على أنها ظُلَلٌ لا ظِلالٌ؛ لأن واحدَ الظُّلَلِ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "الظل".¥ ظُلَّةٌ، وهي الطاقُ، واتِّباعًا لخطِّ المصحفِ، وكذلك الواجبُ في كلِّ ما اتَّفَقت معانيه واخْتَلَفت في قراءتِه القَرأةُ، ولم يكنْ على إحدى القراءتينِ دلالةٌ تَنفَصِلُ بها مِن الأخرى غيرَ اختلافِ خطِّ المصحفِ، فالذي ينبغي أن تُؤْثَرَ قراءتُه منها ¬سقط من: م.¥ ما وافقَ رسمَ المصحفِ.
وأمَّا الذي هو أَوْلَى القراءتينِ في: {وَالْمَلَائِكَةُ} [بالصوابِ، فالرفعُ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فالصواب بالرفع".¥، عطفًا بها على اسمِ اللَّهِ، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ، وإلَّا أن تأتيَهم الملائكةُ. على ما رُوِي عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه قد أخبَر في غيرِ موضعٍ مِن كتابِه أن الملائكةَ تأتيهم، فقال جل ثناؤُه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]. وقال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]. فإن أشْكَل على امرئٍ قولُ اللَّهِ جل ثناؤه: {وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}. فظنَّ أنه مخالفٌ معناه معنى قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}. إذ كان قولُه: {وَالْمَلَائِكَةُ} في هذه الآيةِ بلفظِ جمعٍ، وفي الأخرى بلفظِ الواحدِ، فإن ذلك خطأٌ مِن الظَّنِّ ¬في م: "الظان".¥، وذلك أن الملَكَ في قولِه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} بمعنى الجميعِ ومعنى الملائكةِ، والعربُ تَذْكُرُ الواحدَ بمعنى الجمي
عِ، فتقولُ: فلانٌ كثيرُ الدرهمِ والدينارِ. يُرادُ به الدراهمُ والدنانيرُ. و: هلَك البعيرُ والشاةُ. بمعنى جماعةِ الإبلِ والشاءِ. فكذلك قولُه: {وَالْمَلَكُ} بمعنى الملائكةِ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. وهل هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ جل ثناؤه، أوْ مِن صلةِ فعلِ الملائكةِ، ومَن الذي يَأتي فيها؟ فقال بعضُهم: هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ، ومعناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ وأن يأتيَهم الملائكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. قال: هو غيرُ السَّحابِ، لم يكنْ إلَّا لبني إسرائيلَ في تِيهِهم حينَ تاهوا، وهو الذي يأتي اللَّهُ فيه يومَ القيامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 372 (1961) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 241 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. قال: يأتيهم اللَّهُ وتأتيهم الملائكةُ عندَ الموتِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 82، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 373 (1965) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. قال: طاقاتٌ مِن الغمامِ، والملائكةُ حولَه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال غيرُه: والملائكةُ بالموتِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 373 (1964) من طريق حجاج به.¥.
وقولُ عكرمةَ هذا وإن كان موافقًا قولَ مَن قال: إن قولَه: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. مِن صلةِ فعلِ الربِّ تبارك وتعالى الذي قد تقدَّم ذكْرُناه، فإنه له مخالِفٌ في صفةِ الملائكةِ، وذلك أن الواجبَ مِن القراءةِ على تأويلِ قولِ عكرمةَ هذا في الملائكةِ الخفضُ؛ لأنه تأوَّلَ الآيةَ: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ. لأنه زعَم أن اللَّهَ تعالى يأتي في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ حولَه. هذا إن كان وجَّهَ قولَه: والملائكةُ حولَه. إلى أنهم حولَ الغمامِ، وجعَل الهاءَ في "حولَه" مِن ذكرِ الغمامِ. وإن كان وجَّه قولَه: والملائكةُ حولَه. إلى أنهم حولَ الربِّ تبارك وتعالى، وجعَل الهاءَ في قولِه ¬في م: "حوله".¥ مِن ذكرِ الربِّ - عز وجل -، فقولُه نظيرُ قولِ الآخَرين الذين قد ذكَرْنا قولَهم، غيرُ مخالفِهم في ذلك.
وقال آخَرون: بل قولُه: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. من صلةِ فعلِ الملائكةِ، وإنما تأتي الملائكةُ فيها، فأمَّا الربُ تعالى ذكرُه فإنه يأتي فيما شاء.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} الآية. قال: ذلك يومَ القيامةِ، تأتيهم الملائكةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ. قال: الملائكةُ يجيئون في ظللٍ مِن الغمامِ، والربُّ تبارك وتعالى يجيءُ فيما شاء.
وأوْلى التأويلينِ بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن وجَّه قولَه: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}. إلى أنه مِن صلةِ فعلِ الربِّ، وأن معناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُللٍ مِن الغمامِ وتأتيَهم الملائكةُ؛ لِما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن زَمْعَةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرَامَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا". وذلك قولُه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} ¬تقدم تخريجه في ص 606.¥.
وأمَّا معنى قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ} فإنه: ما يَنْظُرون. وقد بيَّنَّا ذلك بعِلَلِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ.
ثم اخْتُلِف في صفةِ إتيانِ الربِّ تبارك وتعالى الذي ذكَره في قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ}. فقال بعضُهم: لا صفةَ لذلك غيرُ الذي وصَف به نفسَه - عز وجل - مِن المجيءِ والإتيانِ والنزولِ، وغيرُ جائزٍ، تكلُّفُ القولِ في ذلك لأحدٍ إلَّا بخبرٍ مِن اللَّهِ جل جلالُه، أو مِن رسولٍ مُرسلٍ. فأمَّا القولُ في صفاتِ اللَّهِ وأسمائِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ مِن جهةِ الاستخراجِ إلَّا بما ذكَرْنا.
وقال آخَرون: إتيانُه جلَّ ذكرُه نظيرُ ما يُعْرَفُ مِن مجيءِ الجائي مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وانتقالِه مِن مكانٍ إلى مكانٍ.
وقال آخَرون: معنى قولِه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ}. يعني به: هل يَنْظُرونَ إلَّا أن يأتيَهم أمرُ اللَّهِ، كما يقالُ: قد خشِينا أن تأتيَنا بنو أميَّةَ. يُرادُ به: حُكْمُهم.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: هل يَنْظُرون إلا أن يأتيَهم ثوابُه وحسابُه وعذابُه، كما قال - عز وجل -: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33]. وكما يقالُ: قطَع الوالي اللِّصَّ أو ضرَبه. وإنما قطَعه أعوانُه.
وقد بيَّنَّا معنى "الغمامِ" فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ، فأغْنَى ذلك عن تكريرِه؛ لأن معناه ههنا هو معناه هنالك ¬ينظر ما تقدم في 1/ 698 وما بعدها.¥.
فمعنى الكلام إِذن: هل ينتظِرُ التاركون الدخولَ في السِّلْمِ كافَّةً، والمُتَّبِعون خُطواتِ الشيطانِ، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ، فيَقْضِيَ في أمرِهم ما هو قاضٍ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ المَدَنيِّ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "تُوقَفون مَوْقِفًا واحدًا يومَ القيامةِ مقدارَ سبعين عامًا، لا يُنْظَرُ إليكم، وَلا يُقْضَى بينكم، قد حُصِر عليكم، فتَبْكون حتى يَنْقَطِعَ الدمعُ، ثم تدمَعون دمًا، وتبكون حتى يبلُغَ ذلك منكم الأذقانَ، أو يُلْجِمَكم فتَضِجُّون ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تصيحون"، وهي رواية الطبراني.¥، ثم تقولون: مَن يَشْفَعُ لنا إلى ربِّنا فيَقضِيَ بيننا؟ فيقولون: مَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدمَ؛ جبَل اللَّهُ تربتَه ¬جبل التربة: خلقها. اللسان (ج ب ل).¥، وخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيُؤْتَى آدمُ، فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيَأْبَي، ثم يَسْتَقْرِئون الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلَّما جاءوا نبيًّا أبَى". قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرَجتُ حتى آتِيَ الفَحْصَ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الفَحْصُ؟ قال: "قُدَّامُ العرشِ، فأَخِرَّ ساجدًا
، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللَّهُ إليَّ مَلَكًا، فيأخُذَ بعَضُدِي فيَرْفَعَني، ثم يقولُ اللَّهُ لي: يا ¬سقط من: الأصل.¥ محمدُ. فأقولُ: نعم - وهو أعلمُ - فيقولُ: ما شأنُك؟ فأقولُ: يا ربِّ، وعَدتَني الشفاعةَ، فشَفِّعْنِي ¬في الأصل، ت 3: "تشفعني".¥ في خلقِك فاقضِ بينهم. فيقولُ: قد شفَّعْتُك، أنا آتيكم فأقْضِي بينَكم". قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فأَنْصَرِفُ حتى أَقِفَ معَ الناسِ، فبَيْنما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فينا".¥ نحنُ وُقُوفٌ سمِعْنا حسًّا مِن السماءِ شديدًا، فهَالَنا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بمِثْلَيْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرضِ أشْرَقتِ الأرضُ بنورِهم ¬في الأصل: "لنورهم". وفي الطبراني: "بنور ربهم".¥، وأخَذوا مصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزلَ أهلُ السماءِ الثانيةِ بمِثْلَيْ مَن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَيْ مَن فيها مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأرْضِ أشْرَقت الأرضُ بنورِهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عدد".¥، وأخَذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالُوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماءِ الثالثةِ بمِثْلَيْ م
َن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَيْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرْضِ أشْرَقت الأرضُ بنورِهم، وأخَذوا مَصافَّهم، وقلنا لهم: أَفيكم رُّبنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماواتِ على قدرِ ¬في الأصل: "ذي".¥ ذلك مِن التضعيفِ، حتى نزَل الجبَّارُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحِهم، يقولون: سبحانَ ذي المُلْكِ و ¬¥ الملكوتِ، سبحانَ ربِّ العرشِ ذي الجبروتِ، سبحان الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحانَ الذي يُمِيتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ، قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سبحانَ ربِّنا الأعلى، سبحانَ ذي السلطانِ والعظمةِ، سبحانَه أبدًا أبدًا. فيَنْزِلُ ربُّنا تبارك وتعالى يَحْمِلُ عرشَه يومئذٍ ثمانيةٌ، وهم اليومَ أربعةٌ؛ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ السفلَى، والسماواتُ إلى حُجَزِهم، والعرشُ على مناكبِهم، فوضَع اللَّهُ تبارَك وتعالى عرشَه حيثُ شاء مِن الأرضِ، ثم يُنادِي مُنادٍ نداءً يُسْمِعُ الخلائقَ، فيقولُ: يا معشرَ الجنِّ والإنسِ، إني قد أنْصَتُّ منذُ يومِ خلَقتُكم إلى يومِكم هذا، أسمَعُ كلامَكم، وأُبْصِرُ أعمالَكُم، فأَنْصِتوا إليَّ، فإنما هي ص
ُحُفُكم وأعمالُكم تُقْرَأُ عليكم، فمَن وجَد خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَد غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ ¬في الأصل: "يلوم".¥ إلَّا نفسَه. فيَقْضِي اللَّهُ تبارَك وتعالى بينَ خلقِه الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، فإنه لَيُقِيدُ ¬في م: "ليقتص".¥ يومئذٍ للجمَّاءِ مِن ذَاتِ القَرْنِ" ¬إسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن رافع، والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال (55)، وإسحاق بن راهويه - كما في المطالب العالية 7/ 555 (3309)، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2928 - 2931 (16621)، (16627 - 16629)، وأبو يعلى - كما في البداية والنهاية 19/ 310 - والطبراني في الأحاديث الطوال (36)، وأبو موسى المديني - كما في البداية والنهاية - والبيهقي في البعث والنشور (669)، وأبو الشيخ في العظمة (388، 389) من طرق عن إسماعيل بن رافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 339 إلى عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والعصيان وأبي الحسن القطان في المطولات وابن المنذر. وقد اختلف فيه كثيرًا على إسماعيل بن رافع. ينظر الكامل 1/ 278، والفتح 11/ 368، والبداية والنهاية 19/ 310 - 323.¥.
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على خطإِ قولِ قتادةَ في تأويلِه قولَه: {وَالْمَلَائِكَةُ}. أنه معنيٌّ به: و ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الملائكةُ تأتيهم عندَ الموتِ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ذكَر أنهم يأتونهم بعدَ قيامِ الساعةِ في موقفِ الحسابِ حينَ تَشَقَّقُ السماءُ.
وبمثلِ ذلك رُوِي الخبرُ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعين، كرِهنا إطلالةَ الكتابِ بذكرِهم وذكرِ ما قالوا في ذلك.
ويُوَضِّحُ أيضًا صحَّةَ ما اخترْنا [مِن القراءةِ في] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "في قراءة".¥ قولِه: {وَالْمَلَائِكَةُ} بالرفعِ على معنى: وتأتيهم الملائكةُ.
ويُنبِئُ ¬في م: "يبين".¥ عن خطإِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالخفضِ؛ لأنه أخْبَر - صلى الله عليه وسلم - أن الملائكةَ تأتي أهلَ القيامةِ في موقفِهم حينَ تَفَطَّرُ السماءُ قبلَ أن يأتيَهم ربُّهم في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، إلَّا أن يكونَ قارئُ ذلك ذهَب إلى أنه تعالى ذكرُه عنَى بقولِه ذلك: إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ. وفي الملائكةِ الذين يأتون أهلَ الموقفِ حينَ يأتيهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ. فيكونُ ذلك وجهًا مِن التأويلِ وإن كان بعيدًا مِن قولِ أهلِ العلمِ ودلالةِ الكتاب وآثارِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الثابتةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)}.
يعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاءُ بالعدلِ بينَ الخلقِ، على ما قد ذكَرْنا قبلُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن أخذِ الحقِّ لكلِّ مظلومٍ مِن كلِّ ظالمٍ، حتَّى القصاصِ للجمَّاءِ مِن القرناءِ مِن البهائمِ.
وأمَّا قولُه: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}. فإنه يعني: وإلى اللَّهِ يئولُ القضاءُ بينَ خلقِه يومَ القيامةِ والحكمُ بينهم في أمورِهم التي جرَت بينهم في الدنيا، مِن ظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ المعتدِي منهم حدودَ اللَّهِ، وخلافِ أمرِه، وإحسانِ المحسنِ منهم، وطاعتِه إيَّاه فيما أمَره [ونهاه] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "به".¥، فيفصلُ بينَ المتظالمين، ويُجازِي أهلَ الإحسانِ بالإحسانِ، وأهلَ الإساءةِ بما رأي، أو ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "من".¥ يتَفَضَّلُ على مَن لم يكنْ منهم كافرًا به فيعفو. ولذلك قال جل ثناؤه: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}. وإن كانت أمورُ الدنيا كلُّها والآخرةِ مِن عندِه مَبْدَؤُها وإليه مصيرُها، إذ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون، ويَلِي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقِه، والحكمَ ¬في م: "فيحكم".¥ بينهم بعضُ عبيدِه، فيَجورُ بعضٌ، ويَعْدِلُ بعضٌ، ويُصِيبُ واحدٌ، ويُخْطِئُ آخرُ، ويُمْكِنُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ تنفيذُ الحكمِ على بعضٍ، ويَتَعذَّرُ ذلك على بعضٍ لمَنَعَةِ جانبِه وغَلَبتِه بالقوةِ.
فأعْلَم عبادَه تعالى ذكرُه أن مرجعَ ذلك كلِّه إليه في موقفِ القيامةِ، فيُنْصِفُ كُلًّا من كلٍّ، ويُجَازِي حقَّ الجزاءِ كلًّا، حيثُ لا ظُلمَ ولا مُمْتَنَعَ مِن نفوذِ حكمِه عليه، وحيثُ يَسْتوِي الضعيفُ والقويُّ، والفقيرُ والغنيُّ، ويَضْمحِلُّ الظلمُ، ويَنزِلُ سلطانُ العدلِ.
وإنما أدْخَل - جل وعز - الألفَ واللامَ في "الأمورِ"؛ لأنه جل ثناؤُه عنَى بها جميعَ الأمورِ، ولم يَعْنِ بها بعضًا دونَ بعضٍ، فكان ذلك بمعنى قولِ القائلِ: يُعْجِبُني العسلُ. و: البغلُ أقوى مِن الحمارِ. فيُدْخِلُ فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه لم يَقْصِدْ به قَصْدَ بعضٍ دونَ بعضٍ، وإنما يُرادُ به العمومُ والجمعُ.