تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 211

السورة 2 : الآية 211

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ}.
يعني جل ثناؤُه بذلك: سل يا محمدُ بني إسرائيلَ الذين لا يَنْتظِرون بالإنابةِ إلى طاعتِي والتوبةِ إليَّ بالإقرارِ بنبوتِك وتصديقِك فيما جِئتَهم به مِن عندِي، إلا أن آتيَهم في ظُللٍ مِن الغمامِ وملائكتِي، فأفْصِلَ القضاءَ بينَك وبينَ مَن آمَن بك وصدَّقك بما أنزَلتُ إليك مِن كُتبِي، وفرضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعِ دينِي، وبينَهم - كم جِئتُهم به مِن قبلِك مِن آيةٍ وعلامةٍ على ما فرَضتُ عليهم مِن فرائضِي، وأمَرتُهم به مِن طاعتِي، وتابعتُ عليهم مِن حُجَجِي على أيدي أنبيائي ورسلي مِن قبلِك، مؤيِّدةً ¬في م: "مريدة".¥ لهم على صدقِهم، بيِّنةً أنها مِن عندِي، واضحةً أنها مِن أدلتِي على صدقِ نُذرِي ورسلي فيما افترَضتُ عليهم مِن تصديقِهم وتصديقِك، فكفروا حُججِي، وكذَّبوا رسلي، وغَيَّروا نِعَمِي قبلَهم، وبدَّلوا عهدِي ووصيتي إليهم.
وأما الآيةُ فقد بيَّنتُ تأويلَها فيما مضَى مِن كتابِنا بما فيه الكفايةُ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 594 وما بعدها.¥، وهي ههنا ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ}: ما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ وما لم يذكُرْ، وهم يهودُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "اليهود".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 373، 374 (1968، 1970) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 242 إلى عبد بن حميد.¥.
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ}. يقولُ: آتاهم اللَّهُ آياتٍ بيناتٍ؛ عصا موسى، ويدَه، وأقْطَعَهم البحرَ، وأغرَق عدوَّهم وهم ينظُرون، وظلَّلَ عليهم الغَمامَ، وأنزَل عليهم المَنَّ والسَّلْوَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 374 عقب الأثر (1969) من طريق ابن أبي جعفر به، وأخرجه في (1969) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.¥.
وذلك مِن آياتِ اللَّهِ التي آتَى بني إسرائيلَ في آياتٍ كثيرةٍ غيرِها، خالَفوا معها أمرَ اللَّهِ، وقتَلوا أنبياءَه ورسلَه، وبدَّلوا عهدَه ووصيتَه إليهم، قال اللَّهُ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
وإنما سلَّى ¬في م: "ينبئ".¥ اللَّهُ نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآيةِ ¬في م: "الآيات".¥، فأمَره بالصبرِ على مَن كذَّبه واسْتَكبَر على ربِّه، وأخبَره أن ذلك فِعلُ مَن قبلَه مِن سُلَّافِ الأممِ قبلَهم بأنبيائِهم، مع مُظاهرتِه عليهم الحُجَجَ، وأن مَن هو بينَ أظهُرِهم مِن اليهودِ إنما هم مِن بقايا مَن جَرَت عاداتُهم مِمن ¬في الأصل: "ثم".¥ قصَّ عليه قصصَهم مِن بني إسرائيلَ.

القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)}.
يعني جل ثناؤُه بالنعمةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بالنعم".¥: الإسلامَ وما فرَض مِن شرائعِ دينِه، ويعني بقولِه: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ}: ومَن يُغيِّرْ ما عهِد ¬في م: "عاهد".¥ اللَّهُ في نعمتِه التي هي الإسلامُ مِن العمل به ¬سقط من: م.¥ والدخولِ فيه فيَكْفرْ به، فإنه معاقبُه بما أوعَد على الكفرِ به مِن العقوبةِ، واللَّهُ شديدٌ عقابُه، أليمٌ عذابُه.
فتأويلُ الآيةِ إذن: يا أيها الذين آمنوا بالتوراةِ فصدَّقوا بها، ادْخُلوا في الإسلامِ جميعًا ودَعُوا الكفرَ، وما دعاكم إليه الشيطانُ مِن ضَلالتِه، وقد جاءتكم البيناتُ مِن عندِي بمحمدٍ، وما أظْهَرتُ على يديه لكم من الحُججِ والعِبَرِ، ولا تُبدِّلوا عهدِي إليكم فيه، وفيما جاءكم به مِن عندِي في كتابِكم بأنه نبيِّي ورسولي، فإنه مَن يبدِّلْ ذلك منكم فيُغيِّرْه، فإني له مُعاقبٌ بالأليمِ من العقُوبةِ.
وبمثلِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ}. قال ¬بعده في م: "جماعة من".¥ أهلُ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ}. قال: يَكْفرْ بها ¬تفسير مجاهد ص 231. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 242 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مِثلَه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ}. قال: يقولُ: مَن يُبَدِّلْها كُفرًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 374 عقب الأثر (1971) من طريق عمرو به.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ}. يقولُ: ومَن يَكْفُرْ نعمتَه مِن بعدِ ما جاءته ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 374 عقب الأثر (1971) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 5