تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
[as2]
القولُ في تأويل قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}.
قد دلَّلْنا فيما مضى على تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: {اللَّهُ} ¬ينظر ما تقدم في 1/ 121.¥.
وأما تأويلُ قولِه: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}. فإن معناه النَّهيُ عن أن يُعبدَ شيءٌ غيرُ اللهِ الحيِّ القَيُّومِ، الذي صفَتُه ما وصَف به نفسَه تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ، يقولُ: اللهُ الذي له عبادةُ الخلقِ، الحيُّ القيومُ، لا إلهَ سواه، لا معبودَ سواه. يعني: فلا تعبُدوا شيئًا سوى ¬في م: "سواه".¥ الحيِّ القيُّومِ الذي لا تأخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ، والذي صفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.
وهذه الآيةُ إبانةٌ من اللهِ جلّ ثناؤه للمؤمنين به وبرسولِه، عما جاءتْ به ¬بعده في م: "أقوال".¥ المختلِفين ¬بعده في م: "في".¥ البيناتُ من بعدِ الرسلِ التي ¬في م: "الذين".¥ أخبَرَنا تعالى ذكرُه أنه فضَّل بعضَهم على بعضٍ. واختلَفوا فيه، فاقتتلُوا فيه كفرًا به من بعضٍ، وإيمانًا به من بعضٍ، فالحمدُ للهِ الذي هدانا للتصديقِ به، ووفَّقَنا للإقرارِ به.
وأما قولُه: {الْحَيُّ}. فإنه يَعنِي: الذي له الحياةُ الدائمةُ، والبقاءُ الذي لا أوّلَ له بحَدٍّ ¬في م: "يحد".¥، ولا آخرَ له بأمدٍ ¬في م: "يؤمد".¥، إذ كلُّ ما سواه فإنه وإنْ كان حيًّا فلِحياتِه أَوَّلٌ محدودٌ، وآخرٌ مَمْدودٌ ¬في م، س: "مأمود".¥، يَنْقَطِعُ بانقطاعِ أمدِها، وينقَضِى بانقضاءِ غايتِها.
وبما قلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
ذكر من قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: {الْحَيُّ}: حيٌّ لا يموتُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 486 (2571) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وقد اختلَف أهلُ البحثِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما سمَّى اللهُ جل وعزّ نفسه حيًّا؛ لصَرْفِه الأمورَ مَصارفَها، وتقديرِه الأشياءَ مقاديرَها، فهو حيٌّ بالتدبيرِ لا بحياةٍ.
وقال آخرون: بل هو حيٌّ بحياةٍ هي له صفةٌ.
وقال آخرون: بل ذلك اسمٌ من الأسماءِ تَسَمَّى به، فقُلْناه تسليمًا لأمرِه.
وأما قولُه: {الْقَيُّومُ}. فإنه الفَيْعُولُ من القيامِ، وأصلُه القيْوُومُ، سبَق عينَ الفعلِ - وهي واوٌ - ياءٌ ساكنةٌ، فانْدَغَمتا فصارتا ياءً مشددةً، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ واوٍ كانت للفعلِ عينًا سبَقَتْها ياءٌ ساكنةٌ.
ومعنى قولِه: {الْقَيُّومُ}: القائمُ برزْقِ ما خلَق وحِفْظِه، كما قال أُميّةُ ¬ديوانه ص 24، 25.¥:
لم تُخْلَقِ السماءُ والنُّجومُ ... والشمسُ مَنْها قَمَرٌ يَعومُ ¬في م، س، والديوان: "يقوم".¥
قَدَّرَهُ المُهَيْمِنُ القَيُّومُ ... والحشرُ ¬في الديوان: "الحش".¥ والجَنَّةُ والجحيمُ
إلا لأمرٍ شأنُه عظيمُ
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {الْقَيُّومُ}. قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ ¬تفسير مجاهد ص 248، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 486 (2573)، والبيهقي في الأسماء والصفات (76)، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (96) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 12/ 327 إلى آدم بن أبي إياس.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {الْقَيُّومُ}: قَيِّمٌ على ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَرْزُقُه ويَحْفَظُه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 486 (2072) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {الْقَيُّومُ}: هو القائمُ ¬أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (757) من طريق عمرو بن حماد به بإسناد السديِّ المعروف مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قال: القائمُ الدائمُ ¬ذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/ 277.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}.
يعني بقولِه جلّ ثناؤُه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}: لا يَأْخُذُه نُعاسٌ فيَنْعَسَ، ولا نَوْمٌ فيَسْتَثْقِلَ نومًا.
والوَسَنُ خُثورةُ النومِ ¬الخثورة: نقيض الرقة. اللسان (خ ث ر) والمراد ثقل النوم.¥، ومنه قولُ عديِّ بن الرِّقاعِ ¬البيت في مجاز القرآن 1/ 78، والأغاني 9/ 311، والكامل 1/ 148.¥:
وشنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرنَّقَتْ ¬رنَّق النومُ عينه: خالطها. اللسان (ر ن ق).¥ ... في عَيْنِه سِنَةٌ وليس بنائمِ
ومن الدليلِ على ما قلْنا، من أنها خُثورةُ النومِ في عينِ الإنسانِ، قولُ الأَعْشَى ميمونِ بن قَيْسٍ ¬ديوانه ص 17.¥:
تُعاطِى الضَّجِيعَ إذا اسْتامَها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أقبلت". وفي حاشية الأصل: "ويروى: إذا أقبلت بعيد الرقاد وقبل الوسن".¥ ... بُعَيْدَ [الرُّقَادِ وعندَ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "النعاس وقبل".¥ الوَسَنْ
[وقولُه الآخرُ] ¬في ص: "وقول الآخر"، وفي م، س: "وقال آخر". والبيت للأعشى أيضًا وهو في ديوانه ص (5).¥:
باكَرَتْها الأغْرابُ ¬الأغراب: واحده غرب - بسكون الراء - وهو القدح. اللسان (غ ر ب).¥ في سِنَةِ النَّوْ ... مِ فتَجْرِى خِلالَ شَوْكِ السَّيَالِ ¬السيال: شجر سبط الأغصان عليه شوك أبيض، أصوله أمثال ثنايا العذارى. اللسان (س ى ل).¥
يعني عندَ هُبوبِها من النومِ ووَسَنُ النومِ في عينِها، يقالُ منه: وَسِن فلانٌ فهو يَوْسَنُ وَسَنًا وسِنةً، وهو وَسْنانُ، إذا كان كذلك.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}. قال: السَّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ هو النومُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 487، 488 (2576، 2581)، والبيهقي في الأسماء والصفات (77)، من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 327 إلى آدم بن أبي إياس وأبى الشيخ في العظمة.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}: السِّنَةُ النُّعاسُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 102.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسن في قولِه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}: قالا: نَعْسةٌ.
حدَّثني المثنّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}. قال: السِّنَةُ الوَسْنةُ، وهو دونَ النومِ، والنومُ الاستِثْقالُ ¬أخرج ابن أبي حاتم شطره الثاني 2/ 488 (2582) من طريق جويبر به، وعلق شطره الأولى 2/ 487 عقب الأثر (2577).¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}: السِّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ الاستِثْقالُ ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة (123)، من طريق جويبر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 327 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ مثلَه سواءً.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}: أما السِّنَةُ، فهو رِيحُ النومِ الذي يأخُذُ في الوجهِ فيَنْعَسُ الإنسانُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 487 (2577) من طريق عمرو بن حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 327، إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} قال: السَّنَةُ الوَسْنانُ بينَ النائمِ واليَقْظانِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 487 (2579) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا مِنْجابُ بنُ الحارثِ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن يحيى بن رافعٍ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ}، قال: النُّعاسُ ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة (122) من طريق على بن مسهر به.¥.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}. قال: الوَسْنانُ الذي يقومُ من النومِ ولا يَعْقِلُ، حتى ربَّما أخَذ السيفَ على أهلِه ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 190، والقرطبي في تفسيره 3/ 272.¥.
وإنما عنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بقولِه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}: لا تَحُلُّه الآفاتُ، ولا تَنَالُه العاهاتُ. وذلك أن السِّنَةَ والنوم معنيَان يَعْمُران فَهُمَ ذي الفهْمِ، ويُزيلان مَن أصاباه عن الحالِ التي كان عليها قبلَ أن يُصيباه.
فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا: اللهُ لا إلهَ إلا هو الحيُّ الذي لا يموتُ، القَيُّومُ على كلِّ ما هو دونَه بالرزقِ والكَلاءةِ والتدبيرِ: والتصريفِ من حالٍ إلى حالٍ، لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، لا يُغَيِّرُه ما يُغَيِّرُ غيرَه، ولا يُزيلُه عما لم يَزَلْ عليه تَنقُّلُ الأحوالِ، وتَصَرُّفُ ¬في م، س: "تصريف".¥ الليالي والأيامِ، بل هو الدائمُ على حالٍ، والقَيُّومُ على جميعِ الأنامِ، لو نام لكان مغلوبًا مَقْهُورًا؛ لأن النومَ غالبُ النائمِ قاهرُه، ولو وَسِن لكانت السماواتُ والأرضُ وما فيهما دَكًّا؛ لأن قيامَ جميعِ ذلك بتَدْبيرِه وقدْرتِه، والنومُ شاغلُ المدبِّرِ عن التدبيرِ، والنُّعاسُ مانعُ ¬في م، س: "يمانع".¥ المقدِّرِ عن التقديرِ بوَسَنِه.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبرني الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ في قولِه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}: إنّ موسى سأَل الملائكةَ: هل ينامُ اللهُ؟ فَأَوْحَى اللهُ إلى الملائكةِ، وأمرَهم أن يُؤَرِّقُوه ثلاثًا، فلا يَتركُوه ينامُ، ففعَلوا، ثم أعطَوْه قارُورَتَين فأمسكهما ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "فأمسكوه".¥، ثم تَرَكوه وحَذَّرُوه أن يَكْسِرَهما. قال: فجعَل يَنْعُسُ وهما في يديه؛ في كلِّ يدٍ واحدةٌ. قال: فجعَل يَنْعُسُ ويَنتبِه، [وينعُسُ وينْتبِهُ] ¬سقط من: الأصل، ت 2، س.¥، حتى نعَس نَعْسَةً، فضرَب إحداهما بالأخرى، فكسَرهما. قال مَعْمَرٌ: إنما هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه يقولُ: فكذلك السماواتُ والأرضُ في يديْه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 102، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 488 (2584)، والخطيب 1/ 268 من طريق الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن أُمَيَّةَ بن شِبْلٍ، عن الحَكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَحْكى عن موسى على المنبرِ، قال: "وقَع في نَفْسِ موسى: هل ينامُ اللهُ؟ فأرسلَ اللهُ إليه مَلَكًا، فأَرَّقَه ثلاثًا، ثم أعطاهُ قارُورَتَين؛ في كُلِّ يدٍ قارورةٌ، وأمَره أن يَحْتَفِظَ بهما. قال: فجعَل ينامُ وتكادُ يداهُ تَلْتَقيان، ثم يَسْتَيْقِظُ فيحْبِسُ إحداهما عن الأُخرى، ثم نام نَوْمةً فاصْطَفَقَتْ يداه فانْكَسَرتِ القارُورتان. قال: ضرَب الله له مَثَلًا، أن الله لو كان ينامُ لم تَسْتَمْسِكِ السماءُ والأرضُ" ¬أخرجه أبو يعلى (6669)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (22) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (79)، والخطيب 1/ 268، وابن الجوزي في العلل المتناهية (23) من طريق هشام بن يوسف به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (79) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به لكنه من مسند ابن عباس. وهو حديث منكر. ينظر تاريخ بغداد 1/ 268، والعلل المتناهية 1/ 27، 28، وميزان الاعتدال 1/ 276، ولسان الميزان 1/ 467.¥.
القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}. أنه مالكُ جميعِ ذلك بغيرِ شريكٍ ولا نديدٍ، وخالقُ جميعِه دونَ كلِّ آلهةٍ ومعبودٍ. وإنما يَعْني بذلك أنه لا تَنْبَغِى العبادةُ لشيءٍ سواه؛ لأن المملوكَ إنما هو طوعُ يدِ مالكِه، وليس له خدمةُ غيرِه إلا بأمرِه. يقولُ: فجميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِلْكِى وخَلْقِي، فلا يَنبغِي أن يُعْبَدَ أحدٌ من خلقى غيرى وأنا مالكُه؛ لأنه لا ينَبِغي للعبدِ أن يَخْدُم ¬في م، ص، س: "يعبد".¥ غيرَ مالكِه، ولا يُطيعَ سوى مولاه.
وأما قولُه جلَّ ثناؤه: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}. فإنه يَعْني بذلك: من ذا الذي يَشْفَعُ لمماليكِه إن أراد عقوبتَهم إلا أن يُخلِّيَه ويَأذنَ له بالشفاعةِ لهم.
وإنما قال ذلك جل ثناؤه لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثانَنا هذه إلا ليُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى ¬هذا تأويل الآية (3) من سورة الزمر.¥. فقال اللهُ لهم: لي ما في السماواتِ وما في الأرضِ مع السماواتِ والأرضِ مِلْكًا، فلا تَنبغِى العبادةُ لغيرِى، فلا تَعبُدوا الأوثانَ التي تزعُمون أنها تُقَرِّبُكم منى زُلْفَى، فإنها لا تنفَعُكم عندي، ولا تُغْنِى عنكم شيئًا، ولا يَشْفَعُ عندي أحدٌ لأحدٍ إلا بتَخْلِيَتى إيَّاه والشفاعةَ لمن يَشْفَعُ له مِن رسلي وأوليائى وأهلِ طاعتي.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك أنه المحيطُ بكلِّ ما كان وبكلِّ ما هو كائنٌ علمًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحَكَمِ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: الدنيا، {وَمَا خَلْفَهُمْ} الآخرة ¬ذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/ 279.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: ما مضَى من الدنيا، {وَمَا خَلْفَهُمْ} من الآخرةِ ¬أخرج الشطر الأول ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 489 (2588) من طريق أبي حذيفة به، وعلق الشطر الثاني في 22/ 489 عقب الأثر (2092).¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ قولَه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: ما مضَى أمامَهم مِن الدنيا، {وَمَا خَلْفَهُمْ} ما يكونُ بعدَهم من الدنيا والآخرةِ ¬ينظر التبيان 2/ 309، والبحر المحيط 2/ 279.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} قال: أما ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} فالدنيا، {وَمَا خَلْفَهُمْ} فالآخرةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 189 (2588، 2592)، من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وأما قولُه: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}. فإنه يَعْنِى تعالى ذكره أنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ له دون سائرِ مَن دونَه، وأنه لا يعلَمُ أحدٌ سواه شيئًا إلا ما شاء هو أن يُعْلِمَه [وأراده] ¬في ص: "فأراده"، وفي م: "فأراد".¥ فعَلِمه.
وإنما يَعْني بذلك أن العبادةَ لا تَنبغِى لمن كان بالأشياءِ جاهلًا، فكيف يُعْبَدُ مَن لا يَعْقِلُ شيئًا البَتَّةَ مِن وَثَنٍ وصَنَمٍ؟ يقولُ: فَأَخْلِصُوا العبادةَ لمن هو مُحيطٌ بالأشياءِ كلِّها، يَعْلَمُها، لا يَخْفَى عليه صغيرُها وكبيرُها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} يقولُ: لا يَعْلَمُون بشيءٍ من عِلْمِهِ إِلا بما شاء هو أن يُعْلِمَهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 490 (2596، 2598) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.
اختلف أهلُ التأويلِ في معنى "الكُرْسيِّ" الذي أخبرَ اللهُ في هذه الآيةِ أنه وَسِع السماواتِ والأرضَ؛ فقال بعضُهم: هو عِلْمُ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ وسَلْمُ بنُ جُنادةَ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطَرِّفٍ، عن جعفرِ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} قال: كُرْسِيُّه عِلْمُه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 490 (2599)، من طريق ابن إدريس به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص (233)، من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 327 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا مُطَرِّفٌ، عن جعفرِ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه، وزاد فيه: ألا تَرَى إلى قولِه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} ¬ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1/ 417 عن هشيم به.¥؟
وقال آخرون: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَين.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ مُسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبد الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن أبي موسى، قال: الكُرْسيُّ مَوْضِعُ القدَمين، وله أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ ¬أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (588)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب العرش (60)، وأبو الشيخ في العظمة (247)، والبيهقي في الأسماء والصفات (859). من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 327 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ}: فإن السماواتِ والأرضَ في جوفِ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ بين يَدَيِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ قَدَميْه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 491 (2603) من طريق عمرو بن حماد به، دون قوله: وهو موضع قدميه.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قال: كُرْسِيُّه الذي يُوضَعُ تحتَ العَرْشِ الذي يَجْعَلُ الملوكُ عليه أقدامَهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 328 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، عن سفيانَ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن مسلمٍ البَطِينِ، قال: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القدمَيْن ¬أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 491 (2601) من طريق أبي أحمد، عن سفيان، عن عمار، عن سعيد بن بن جبير، عن ابن عباس قوله: وأخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسى ص 67، 71 - 74، وعبد الله أحمد في السنة (586)، وابن خزيمة في التوحيد ص 71، والحاكم 2/ 282 من طريق سفيان به من قول ابن عباس، وأخرجه عبد الله في السنة (590) من طريق عمار الدهني، عن ابن عباس. قال ابن كثير: والأثر محفوظ عن ابن عباس. البداية والنهاية 1/ 23.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قال: لما نَزَلَتْ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قال أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول اللهِ، هذا الكُرْسِيُّ وَسِعَ السماواتِ والأَرضَ، فكيف العَرْشُ؟ فأَنزل اللهُ تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إلى قولِه: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 491 (2604)، من طريق أبي جعفر به.¥ [الزمر: 67].
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}. قال: قال ابن زيدٍ: فحدَّثني أبي، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ما السماواتُ السَّبْعُ في الكُرسيِّ إلا كدراهمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ". قال: وقال أبو ذَرٍّ: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "ما الكُرسيُّ في العَرشِ إلا كحَلْقَةٍ من حديدٍ أُلْقِيَتْ بينَ ظَهْرَى فَلَاةٍ مِن الأَرضِ" ¬ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 1/ 24، وفي تفسيره 1/ 457 عن المصنف، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (222) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع.¥.
وقال آخرون: الكُرْسِيُّ العَرْشُ نفسُه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "عن الضحاك".¥، قال: كان الحسنُ يقولُ: الكُرْسِيُّ هو العَرْشُ ¬ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 1/ 23، وفي تفسيره 1/ 458 عن المصنف.¥.
قال أبو جعفر: لكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ وجهٌ ومَذْهَبٌ، غيرَ أن الذي هو أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما جاء به الأثرُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهو ما حدَّثني به عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ القَطَوَانيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: ادْعُ الله أن يُدْخِلَنى الجنةَ. فعظَّم الربَّ عزّ وجلّ، ثم قال: "إِنَّ كُرسِيَّه وَسِعَ السَّماواتِ والأرضَ، وإنَّه لَيَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مِقدارُ أربعِ أصابعَ". ثم قال بأصابعِه فجمَعها: "وإنَّ له أَطِيطًا كأَطِيطِ الرَّحْلِ الجَديدِ إِذَا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِه" ¬أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 71، وأبو الشيخ في العظمة (262)، وابن الجوزي في العلل المتناهية من طريق إسرائيل به.¥.
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بكر".¥، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خليفةَ، عن عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوَه ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 102 (263) من طريق عبد الله بن أبي زياد به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (574)، وعبد الله بن أحمد في السنة (585، 587)، البزار (325) من طريق يحيى بن أبى بكير به. وينظر السلسلة الضعيفة (866).¥.
حدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ. فذكَر نحوَه ¬أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (593) من طريق أبي أحمد به.¥.
وأما الذي يدلُّ على صحتِه ظاهرُ القرآنِ، فقولُ ابن عباسٍ الذي رواه جعفرُ بن أبي المغيرِة، عن سعيدِ بن جُبيرٍ عنه، أنه قال: هو عِلْمُه ¬هذا مناقض لقول المصنف نفسه في أول الصفحة.¥، وذلك لدَلالةِ قولِه جل ثناؤه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. على أن ذلك كذلك، فأخبَرَ أنه لا يَئُودُه حفظُ ما عَلِم وأحاط به مما في السماواتِ والأرضِ، وكما أخبَر عن ملائكتِه أنهم قالوا في
دعائِهم: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]. فأخبر تعالى ذكرُه أن علمه وسِع كلَّ شيءٍ، فكذلك قولُه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.
وأصلُ "الكُرْسِيِّ" العلمُ، ومنه قيل للصحيفةِ يكونُ فيها علمٌ مكتوبٌ: كُرّاسةٌ. ومنه قولُ الراجزِ في صفةِ قانصٍ:
حتى إذَا ما اختارهَا ¬في م: "اجتازها".¥ تَكَرَّسا
يعنى: عَلِم. ومنه يقالُ للعلماءِ: الكَراسيُّ. لأنهم المعتمَدُ عليهم، كما يقالُ: أوتاد الأرضِ. يَعْني بذلك أنهم العلماءُ الذين تَصْلُحُ بهم الأرضُ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬أساس البلاغة (ك ر س).¥:
تَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةٌ ... كَرَاسِيُّ بالأحْداثِ حينَ تَنُوبُ
يعني بذلك: علماءُ بحوادثِ الأمورِ ونوازلِها.
والعربُ تسمِّى أصلَ كلِّ شيءٍ الكِرْسَ، يقال منه: فلانٌ كريمٌ الكِرْسِ. أي: كريمُ الأصلِ، قال العَجَّاجُ ¬ديوانه ص 487.¥.
قد علِم القُدُّوسُ موْلَى القُدْسِ
أن أبا العباسِ أوْلَى نَفْسِ
بمَعْدِنِ المُلْكِ القديمِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الكريم".¥ الكِرْسِ
يَعْني بذلك الكريمَ الأصل. ويُرْوَى:
في مَعْدِنِ العِزِّ الكريمِ الكِرْسِ
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)}.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: {وَلَا يَئُودُهُ}: ولا يَشُقُّ عليه ولا يُثْقِلُه، يقالُ منه: قد آذَنِى هذا الأمرُ، فهو يَئودُنى أوْدًا وإيادًا. ويقالُ: ما آدَك فهو لي آئِدٌ. يَعنِي بذلك: ما أَثْقَلَك فهو لي مُثْقِلٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 492 (2606) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 328 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}، قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}: لا يَثْقُلُ عليه ولا يُجْهِدُه حِفْظُهما.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى: قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قالا: لا يَثْقُلُ عليه شيءٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 102.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قال: لا يَنْقُلُ عليه حِفْظُهما.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، وحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قالا جميعًا: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.
والأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 492 عقب الأثر (2607) معلقا.¥.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن عُبيدٍ، عن الضّحاكِ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُه - يعني خَلّادًا - يقولُ: سمِعْت أبا عبدِ الرحمنِ المدينيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قال: لا يَكْبُرُ ¬في ص، م، س: "يكثر".¥ عليه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}، قال: لا يَكْرُثُه ¬تفسير مجاهد ص 242، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 492 (267) من طريق القاسم، عن مجاهد ولفظه: لا يكرثه حتى يثقله.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قال: لا يَثْقُلُ عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 492 عقب الأثر (2607) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه حفظُهما ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 492 (2607) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. قال: لا يَعِزُّ عليه حِفْظُهما.
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ والألفُ من قولِه: {حِفْظُهُمَا}. من ذِكْرِ السماواتِ والأرضِ. فتأويلُ الكلامِ: وَسِع كُرْسِيُّه السماواتِ والأَرضَ، ولا يَثْقُلُ عليه حِفْظُ السماواتِ والأرضِ.
وأما تأويلُ قولِه: {وَهُوَ الْعَلِيُّ}. فإنه يَعنِي: واللهُ العَلِيُّ.
والعليُّ: الفَعِيلُ، من قولِك: علا يعلُو عُلُوًّا، إذا ارتفَع، فهو عالٍ وعَلِيٌّ: والعَلِيُّ: ذو العُلُوِّ والارتفاعِ على خَلقِه بقُدرتِه.
وكذلك قولُه: {الْعَظِيمُ}: ذو العَظَمةِ، الذي كلُّ شيءٍ دونَه، فلا شيءَ أعظمُ منه.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {الْعَظِيمُ}: الذي قد كَمُل في عظمتِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 328 إلى المصنف.¥.
واختلَف أهلُ البحثِ في معنى قولِه: {وَهُوَ الْعَلِيُّ}؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ عن النُّظَراءِ والأَشْباهِ. وأنكَروا أن يكونَ معنى ذلك: وهو العَلِيُّ المكانِ. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يخلُوَ منه مكانٌ، ولا معنى لوصفِه بعُلُوِّ المكانِ؛ لأن ذلك وصفُه بأنه في مكانٍ دونَ مكانٍ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ على خَلْقِه، بارتفاعِ مكانِه عن أماكنِ خَلْقِه؛ لأنه تعالى ذكرُه فوقَ جميع خَلقِه، وخَلقُه دونَه، كما وصَف به نفسَه أنه على العرشِ، فهو عالٍ بذلك عليهم.
وكذلك اختلَفوا في معنى قولِه: {الْعَظِيمُ}. فقال بعضُهم: معنى "العظيمِ" في هذا الموضِعِ المُعَظَّمُ، صُرِف المُفَعَّلُ إلى فَعِيلٍ، كما قيل للخَمرِ المُعَتَّقَةِ: خمرٌ عتيقٌ. كما قال الشاعرُ ¬البيت للأعشى الكبير، وهو في ديوانه ص 5.¥:
وكأنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ من الإسْـ ... ـــــــفِنْطِ ¬الإسفنط: أجود الخمر وأعلاها. القاموس المحيط (س ف ط).¥ ممْزُوجَةً بِمَاءٍ زُلالِ
وإنما هي مُعَتَّقَةٌ، قالوا: فقولُه: {الْعَظِيمُ}. معناه: المعظَّمُ الذي يُعَظِّمُه خَلْقُه، ويَهابُونه ويتَّقُونه. قالوا: وإنّما يحتمِلُ قولُ القائلِ: هو عَظيمٌ. أحدَ معنَيْين؛ أحدُهما: ما وصَفْنا من أنه مُعَظَّمٌ. والآخرُ: أَنه عَظِيمٌ في المساحةِ والوزنِ. قالوا: وفي بُطولِ القولِ بأن يكونَ معنى ذلك أنه عَظيمٌ في المساحةِ والوزنِ، صحةُ القولِ بما قُلْنا.
وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: {الْعَظِيمُ}. هو أن له عظمةً هي له صفةٌ. وقالوا: لا نَصِفُ عَظمتَه بكَيْفِيّةٍ، ولكنّا نُضِيفُ ذلك إليه من جهةِ الإثباتِ، ونَنْفِى عنه أن يكونَ ذلك على معنى مشابهةِ العِظَمِ المعروفِ من العبادِ؛ لأن ذلك تشبيهٌ له بخَلقِه، وليس كذلك. وأنكَر هؤلاءِ ما قاله أهلُ المَقالةِ التي قدَّمنا ذكرَها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه مُعَظَّمٌ، لوجَب أن يكونَ قد كان غيرَ عظيمٍ قبلَ أن يَخلُقَ الخلْقَ، وأن يَبْطُلَ معنى ذلك عندَ فَناءِ الخَلقِ؛ لأنه لا مُعَظِّمَ له في هذه الأحوالِ.
وقال آخرون: بل قولُه: إنه العظيمُ. وَصْفٌ منه نفسَه بالعِظَمِ، وقالوا: كلُّ ما
دونَه من خلقِه بمعنى الصِّغَرِ؛ لصِغَرِهم عن عِظَمِه.