تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 256

السورة 2 : الآية 256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلَتْ هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصارِ - أو في رجلٍ منهم - كان لهم أولادٌ قد هَوَّدُوهم أو نَصَّرُوهم، فلما جاء اللهُ بالإسلامِ أرادوا إكراهَهم عليه، فنهاهم اللهُ عن ذلك حتى يكونوا هم يختارُون الدخولَ في الإسلامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شُعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلاتًا، فتجعلُ على نفسِها إن عاش لها ولدٌ أن تُهَوِّدَه؛ فلما أجْلِيَتُ بنو النَّضيرِ كان فيهم من أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لا ندَعُ أبناءَنا، فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ¬أخرجه أبو داود (2682)، والنسائي في الكبرى (11049)، والنحاس في ناسخه ص 259 من طريق محمد بن بشار به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 57، 58 من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه أبو داود (2682)، والنسائي في الكبرى (11048)، والطحاوي في شرح المشكل (6114)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 493 (2609)، وابن حبان (140)، والبيهقي 9/ 186، والواحدى في أسباب النزول ص 58 من طريق شعبة به.¥.
حدَّثنا ابن بَشّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "سعيد".¥، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلًى؛ لا يعيشُ لها ولدٌ - قال شعبةُ: وإنما هي مِقْلاتٌ - فتجعلُ عليها إن بَقِى لها ولدٌ لَتُهَوِّدَنَّه، قال: فلمّا أُجليَتْ بنو النَّضيرِ كان فيهم منهم، فقالت الأنصارُ: كيف تَصنعٌ بأبنائِنا؟ فنزَلت هذه الآيةُ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. قال: من شاء أن يُقِيمَ أقام، ومن شاء أن يَذهَبَ ذَهَب ¬قوله: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب. من قول سعيد بن جبير.¥.
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيّةَ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: كانت المرأةُ من الأنصارِ تكونُ مِقْلاتًا؛ لا يعيشُ لها ولدٌ، فتنذِرُ إن عاش ولدُها أن تجعلَه مع أهلِ الكتابِ على دينِهم، فجاء الإسلامُ وطوائفُ من أبناءِ الأنصارِ على دينِهم، فقالوا: إنما جعَلْناهم على دينِهم ونحن نَرى أن دينَهم أفضلُ من دينِنا، وإذ جاء اللهُ بالإسلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم. فنزلتْ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. فكان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهوديةَ والإسلامَ، فمَن لَحِق بهم اختارَ اليهوديةَ، ومن أقام اختارَ الإسلامَ. واللفظُ لحديثِ حُمَيدٍ ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 400، وابن الجوزي في النواسخ ص 217 من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 329 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ بنحوِ معناه، إلا أنه قال: فكان فصلَ ما بينَهم إجلاءُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بنى النَّضيرِ، فلَحِق بهم من كان يهوديًّا ولم يُسْلِمْ منهم، وبَقِيَ مَن أَسلمَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أبي".¥.
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ بنحوِه، إلا أنه قال: إجلاءُ النَّضيرِ إلى خيبَرَ، فمن اختارَ الإسلامَ أقامَ، ومن كَرِه لَحِق بخيبرَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن ¬¥ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ الحَرَشيُّ ¬في الأصل: "الجرش".¥ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ من بنى سالمِ بن عوفٍ، يقالُ له: الحُصَينُ. كان له ابنان نَصْرانيّان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ألا أَسْتَكْرِهُهما، فإنهما قد أبَيَا إلا النصرانيةَ؟ فأَنزل اللهُ فيه ذلك ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 459، وابن حجر في الإصابة 2/ 95، 917، عن ابن إسحاق به.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حَجّاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، قال: سألْتُ سعيد بنَ جُبيرٍ عن قولِه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: نزَلتْ هذه في الأنصارِ، قال: قلتُ: خاصةً؟ قال: خاصةً. قال: كانت المرأةُ في الجاهليةِ تَنذِرُ إن ولَدت ولدًا أن تجعلَه في اليهودِ، تَلْتَمِسُ بذلك طولَ بقائِه. قال: فجاء الإسلامُ وفيهم منهم؛ فلمَّا أُجْلِيَت النضيرُ قالوا: يا رسولَ اللهِ، أبناؤُنا وإخوانُنا فيهم. قال: فسكَت عنهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَأَنزل اللهُ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. قال: فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قد خُيِّرَ أصحابُكم، فإن اختارُوكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم". قال: فأجلَوهم معهم ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (428) - تفسير، والطحاوي في المشكل (6115)، والخطابي في غريب الحديث 3/ 80، 81، والبيهقي 9/ 186 من طريق أبي عوانة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 329 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} إلى {لَا انْفِصَامَ لَهَا}. قال: نزَلَتْ في رجلٍ من الأنصارِ يقالُ له: أبو الحُصَينِ. كان له ابنان، فقَدِم تُجّارٌ من الشامِ إلى المدينةِ يحمِلون الزيتَ، فلما باعُوا وأرادُوا أن يَرجِعوا، أتاهم ابنا أبى الحُصينِ. فدعَوْهما إلى النصرانيةِ فتَنَصَّرا، ورجَعا إلى الشامِ معهم، فأتى أبوهما إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن ابنيَّ تَنَصَّرا وخَرَجا، فاطْلُبُهما. فقال: " {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ". ولم يُؤْمَرْ يومئذٍ بقتالِ أهلِ الكتابِ. وقال: "أَبعَدَهما اللهُ، هما أَوَّلُ مَن كفَر". فوجَد أبو الحصينِ في نفسِه على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حين لم يَبْعَثْ فِي طَلَبِهما، فأَنزَل اللهُ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. ثم إنه نُسِخ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. فأُمِر بقتالِ أهلِ الكتابِ ¬في ص، ت 1، ت 2: "ال
قتال".¥ في سورةِ "براءة" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 494 عقب (2615)، وأبو داود في ناسخه - كما في تهذيب الكمال - 5/ 102، من طريق عمرو بن حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 329، إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: [كانت النَّضِيرُ يهودًا] ¬في ص: "كانت اليهود يهودًا"، وفي م: "كانت في اليهود يهود".¥ أَرضَعوا رجالًا من الأوسِ، فلما أُمِر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإجلائهم، قال أبناؤُهم من الأوسِ: لتذْهَبَنَّ معهم، ولَندِينَنَّ بدينِهم، فمنَعهم أهلُوهم، وأَكْرَهُوهم على الإسلامِ، ففيهم نزَلتْ هذه الآيةُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (429 - تفسير) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 329 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: كان ناسٌ من الأنصارِ مُسْتَرضَعِين في بني قُريظةَ، فأرادُوا أن يُكْرِهوهم على الإسلامِ، فنزَلتْ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 493 (2611)، والواحدى في أسباب النزول ص 59، وابن الجوزي في النواسخ ص 218 من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: كانت النَّضيرُ يهودًا، فَأَرْضَعُوا. ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدٍ بن عمرٍو، عن أبي عاصمٍ. قال ابن جُريجٍ: وأخبرَني عبدُ الكريمِ، عن مجاهدٍ أنهم كانوا قد دانوا ¬في م: "دان".¥ بدينهم أبناءُ الأَوْسِ؛ دانُوا بدينِ النَّضيرِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 329 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أن المرأةَ من الأنصارِ كانت تَنْذِرُ إِن عاش ولدُها لَتَجْعَلَنَّه في أهل الكتابِ، فلمّا جاء الإسلامُ قالت الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ، ألا نُكْرِهُ أولادَنا الذين هم في يهودَ على الإسلامِ، فإنَّا إِنَّما جعَلْناهم فيها ونحن نَرى أن اليهوديةَ أفضلُ الأديانِ، [فأما إذ] ¬في ص: "فلما إذ"، وفي م: "فلما أن".¥ جاء اللهُ بالإسلامِ، أفلا نُكْرِهُهم على الإسلامِ؟ فَأَنزل اللهُ تعالى ذكرُه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ¬تقدم ص 547.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ، عن الشعبيِّ بمثلِه، وزاد فيه: قال: كان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهودَ منهم، وبينَ مَن اختارَ الإسلامَ، إجلاء بني النَّضيرِ، فمَن خرَج مع بنى النَّضيرِ كان منهم، ومن ترَكهم اختارَ الإسلامَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. إلى قولِه: {بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}. قال: هذا منسوخٌ ¬ينظر التبيان 2/ 311.¥.
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ووائلٍ، عن الحسنِ، أن ناسًا من الأنصارِ كانوا مُسترضَعِين في بني النَّضيرِ، فلما أَجْلُوا، أراد أهلُوهم أن يُلْحِقُوهم بدينِهم، فنزلتْ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ¬أثر مجاهد تقدم تخريجه في ص 549، 550، وأثر الحسن أخرجه سعيد بن منصور في سننه (430 - تفسير)، عن سفيان به.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُكْرَهُ أهلُ الكتابِ على الدينِ إذا بذَلوا الجِزْيةَ، ولكنّهم يُقَرُّون على دينِهم. وقالوا: الآيةُ في خاصٍّ من الكفارِ، ولم يُنْسَخْ منها شيءٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} قال: أُكْرِهَ عليه هذا الحيُّ من العربِ؛ لأنهم كانوا أُمَّةً أُمِّيّةً ليس لهم كتابٌ يَعرِفُونه، فلم يُقْبَلْ منهم غيرُ الإسلامِ، ولا يُكرَهُ عليه أهلُ الكتابِ إذا أقرُّوا بالجِزْيةِ أو بالخَراجِ ولم يُفْتَنُوا عن دينِهم، فخُلِّيَ ¬في م: "فيخلي".¥ عنهم ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 102، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 493 (2612) من طريق معمر، عن قتادة.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: هو هذا الحيُّ من العرب أُكْرِهوا على الدين، لم يُقْبَلْ منهم إلا القتلُ أو الإسلامُ، وأهلُ الكتابِ قُبِلَتْ منهم الجِزْيةُ ولم يُقْتَلُوا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: أُمِر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُقاتِلَ جزيرة العربِ من أهلِ الأوثانِ، فلم يَقْبَلْ منهم إلا لا إلهَ إلا اللهُ أو السيفَ، ثم أُمِر في من سواهم بأن يَقْبَلَ منهم الجِزْيةَ، فقال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ¬ذكره الطوسي في التبيان 2/ 311، وابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 196، والقرطبي في تفسيره 3/ 280.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: كانت العربُ ليس لها دِينٌ، فأُكْرِهوا على الدينِ بالسيفِ. قال: ولا يُكْرَهُ اليهودُ والنصارَى والمجوسُ إذا أعطَوُا الجِزْيةَ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 102، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 493 (2612)، عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 330 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سَمِعْتُ مجاهدًا يقولُ لغلامٍ له نصرانيٍّ: يا جريرُ أَسْلِمْ. ثم قال: هكذا كان يقالُ لهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 102، 103، وأخرجه سعيد بن منصور (429 - تفسير) عن سفيان بن عيينة به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} قال: فذلك لمّا دخَل الناسُ في الإسلامِ، وأَعْطَى أهلُ الكتابِ الجِزْيةَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 495 (2617)، وابن الجوزي في النواسخ ص 218 من طريق محمد بن سعد به.¥.
وقال آخرون: هذه الآية منسوخةٌ، وإنَّما نزَلتُ قبلَ أَن يُفْرَضَ القتالُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الزُّهْرِيُّ، قال: سألتُ زيدَ بن أَسلمَ عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنينَ لا يُكْرِهُ أحدًا في الدينِ، فأبى المشرِكون إلا أن يُقاتِلُوهم، فاستأْذَنَ الله في قتالِهم، فأَذِن له ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 196 عن الزهري، عن زيد بن أسلم، وذكره النحاس في ناسخه ص 258 عن زيد بن أسلم.¥.
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في خاصٍّ من الناسِ. وقال: عنَى بقولِه تعالى ذكرُه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. أهلَ الكتابَين والمجوسَ، وكلَّ مَن جاز ¬في م، ت 2، س: "جاء".¥ إقرارُه على دينِه المخالفِ دينَ الحقِّ، وأَخْذُ الجزيةِ منه. وأنكَر ¬في ص، م، س: "أنكروا".¥ أن يكونَ منها شيءٌ منسوخٌ ¬في م: "منسوخًا".¥.
وإنّما قلْنا: هذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ؛ لما قد دَلَّلْنا عليه في كتابِنا "اللطيف من البيانِ عن أُصولِ الأحكامِ"، من أنَّ الناسخ غيرُ كائنٍ ناسخًا إلا ما نَفَى حكمَ المنسوخِ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما [فيما قد] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فأما ما".¥ كان ظاهرُه العمومَ من الأمرِ والنَّهْيِ وباطنُه الخصوصَ، فهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مستحيلٍ أن يقالَ: لا إكراةَ لأحدٍ ممن أُخِذَتْ منه الجِزْيةُ في الدينِ. ولم يكنْ في الآيةِ دليلٌ على أن تأويلَها بخلافِ ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نَقلُوا عن نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم - أنه أَكْرَه على الإسلامِ قومًا، فأبَى أن يَقْبَلَ منهم إلا الإسلامَ وحَكَم بِقَتْلِهِم إِن امتنعُوا منه، وذلك كعَبَدةِ الأوثانِ من مشرِكي العربِ، وكالمرتدِّ عن دينِه، دينِ الحقِّ، إلى الكفرِ، ومَن أَشبَههم، وأنه ترَك إكراهَ آخرِين على الإسلامِ بقَبُولِه الجِزْيةَ منه، وإقرارِه على دينِه الباطلِ، وذلك كأهلِ الكتابَيْن [والمجوسِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥ ومَن أَشبَههم - كان بيِّنًا بذلك أن معنَى قولِه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. إنما هو: لا إكرا
هَ في الدينِ لأحدٍ من حَلَّ قبولُ الجِزْيةِ منه، بأدائِه الجِزيةَ، ورضاه بحكمِ الإسلامِ، وألا معنَى لقولِ مَن زعَم أن الآيةَ منسوخةُ الحكمِ بالإذنِ بالمحاربةِ.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِي عن ابن عباسٍ وعمَّن رَوى عنه، من أنّها نزَلتْ في قومٍ من الأنصارِ أرادُوا أن يُكْرِهوا أولادَهم على الإسلامِ؟ قلْنا: ذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنزِلُ في خاصٍّ من الأمرِ، ثم يكونُ حُكْمُها عامًّا في كلِّ ما جانَس المعنَى الذي أُنزِلتُ فيه، فالذين أُنزِلتُ فيهم هذه الآيةُ، على ما ذكَر ابن عباسٍ وغيرُه، إنما كانوا قومًا دانُوا بدينِ أهلِ التوراةِ، قبلَ ثُبوتِ عَقْدِ أهلِ الإسلامِ لهم، فنَهَى اللَّهُ تعالى ذكرُه عن إكراهِهم على الإسلامِ، وأَنزَل بالنَّهْيِ عن ذلك آيةً يَعُمُّ حُكْمُها كلَّ مَن كان في مثلِ معناهم ممن كان على دينٍ من الأديانِ التي يجوزُ أخذُ الجِزْيةِ من أهلِها، وإقرارُهم عليها على النحوِ الذي قلْنا في ذلك.
ومعنَى قولِه جل ثناؤُه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}: لا يُكْرَهُ أحدٌ في دينِ الإسلامِ عليه. وإنما أُدْخِلَت الألفُ واللامُ في الدينِ تَعْريفًا ¬في ص: "تصريفًا".¥ للدينِ الذي عنَى اللَّهُ بقولِه: لا إكراهَ فيه. وأنه هو الإسلامُ. وقد يَحتمِلُ أن تكونا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "تكون".¥ أُدْخِلنَا عَقِيبًا من الهاءِ المَنْوِيَّةِ في "الدينِ"، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: وهو العليُّ العظيمُ، لا إكراهَ في دينِه، قد تَبَيَّنُ الرُّشْدُ مِن الغَيِّ. وكان هذا القولَ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ عندي.
وأما قولُه جل ثناؤه: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: رَشَدْتُ فأنا أَرْشُدُ رُشْدًا ورشَدا ورَشَادًا، وذلك إذا أصاب الحقَّ والصوابَ.
وأما "الغَيُّ"، فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد غَوَى فلانٌ فهو يَغْوِى غَيًّا وغَوايةً. وبعضُ العربِ يقولُ: غَوِيَ فلانٌ يَغْوَى. والذي عليه قراءةُ القرأةِ: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 2]. بالفتحِ، وهي أفصحُ اللُّغَتَين، وذلك إذا عدا الحقَّ وتجاوزَه فضَلَّ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: قد وَضَح الحقُّ من الباطلِ، واستبان لطالبِ الحقِّ والرَّشادِ وجهُ مَطْلَبِه، فتَمَيَّزَ من الضَّلالةِ والغَوايةِ، فلا تُكْرِهُوا أحدًا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ من أهلِ الكتابَين ومَن أَبَحْتُ لكم أَخْذَ الجِزْيةِ منه، على دينِكم دينِ الحقِّ، فإنَّ مَن حادَ عن الرَّشادِ بعدَ استبانتِه له، فإلى ربِّه أمرُه، وهو وليُّ عُقوبتِه في مَعادِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الطاغوتِ"؛ فقال بعضُهم: هو الشيطانُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ العَبْسِيِّ ¬في م: "العنسي". وينظر التاريخ الكبير 3/ 30.¥ قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: الطاغوتُ الشيطانُ ¬أخرجه ابن رستة في كتاب الإيمان - كما في تغليق التعليق 4/ 196 - عن عبد الرحمن به، ومن طريق ابن رستة أخرجه الحافظ في التغليق، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 495، 3/ 975 (2618، 5449) من طريق سفيان به، وعلقه البخاريّ 6/ 57.¥.
حدثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثني [ابن أبي عديٍّ] ¬في الأصل: "ابن عدى".¥، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ، عن عمرَ مثلَه ¬أخرجه عبد الرحمن بن رستة - كما في التغليق 4/ 196 - من طريقه شعبة به، ومن طريقه الحافظ في التغليق، وأخرجه عبد بن حميد - كما في التغليق - وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 975 (5449) من طريق شعبة به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 495 عقب الأثر (2618) معلقًا.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا زكريَّا، عن الشَّعبيِّ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 975 عقب الأثر (5449) معلقًا.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} قال: الطاغوتُ الشيطانُ ¬¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الطاغوتُ الشيطانُ ¬ينظر التبيان 2/ 312، والمحرر الوجيز 2/ 198.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ}. قال: بالشيطانِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 495 عقب الأثر (5449) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وقال آخرون: الطاغوتُ هو الساحرُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودٌ، عن أبي العاليةِ أنه قال: الطاغوتُ الساحرُ ¬ذكره الطوسي في التبيان 2/ 312، وابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 198.¥.
وقد خُولِف عبدُ الأعلى في هذه الروايةِ، وأنا ذاكرٌ الخلافَ بعدُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا حمادُ ¬في م، س: "حميد". وينظر تهذيب الكمال 7/ 284.¥ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال: الطاغوتُ الساحرُ ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 198، وابن الجوزي في زاد المسير 1/ 306، وأبو حيان في البحر المحيط 2/ 282، كلاهما عن ابن سيرين معلقا.¥.
وقال آخرون: بل الطاغوتُ الكاهنُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "هو الكاهن".¥.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ ¬في ص، م، س: "سعيد".¥، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ ¬ذكره الطوسي في التبيان 2/ 312 وابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 198، وابن الجوزي في زاد المسير 1/ 306.¥.
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 976 عقب الأثر (5453) معلقًا.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} قال: كُهَانٌ تَنَزَّلُ عليها شياطينُ، يُلْقُون على ألسنتِهم وقلوبِهم، أخبرَني أبو الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ أنه سمِعه يقولُ - وسُئِل عن الطواغيتِ التي كانوا يَتحاكَمُون إليها - فقال: كان في جُهينةَ واحدٌ، وفي أَسلمَ واحدٌ، وفي كلِّ حَيٍّ واحدٌ، وهي كُهَانٌ يَنزِلُ عليها الشيطانُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم - كما في التغليق 4/ 195، 196 - من طريق وهب بن منبه، عن جابر، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 976 (5452) شطره الأول من طريق حجاج به.¥.
والصوابُ من القولِ عندي في الطاغوتِ أنه كلُّ ذي طُغْيانٍ طغى على اللَّهِ فعُبِد مِن دونِه، إمَّا بقَهْرٍ منه لمن عبَده، وإما بطاعةٍ ممن عبَده له؛ إنسانًا كان ذلك المعبودُ، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صَنَمًا، أو كائنًا ما كان من شيءٍ.
وأَرى أن أصلَ الطاغوتِ: الطَّغَوُوتُ، من قولِ القائلِ: طغَا فلانٌ يَطْغُو. إذا عدَا قَدْرَه، فتجاوَز حدَّه، كالجَبَروتِ من التَّجَبُّرِ، [والخَلَبُوتِ من الخَلْبِ] ¬في ص، م: "والحلبوت من الحلب". وخلبه يخلبه خَلْبًا: خدعه. وهو خَلَبُوتٌ: أي خدّاع. القاموس المحيط (خ ل ب).¥، ونحوِ ذلك من الأسماءِ التي تأتِى على تقديرِ "فَعَلُوت" بزيادةِ الواوِ والتاءِ، ثم نُقِلَتْ لامُه - أَعْنِى لامَ الطغَوُوتِ - فجُعَلَتْ له عَينًا، وحُوِّلَتْ عَينُه، فجُعِلَت مكانَ لامِه، كما قيل: جَبَذ وجَذَب، وجابِدٌ وجاذِبٌ، وصاعِقةٌ وصاقِعةٌ. وما أَشبه ذلك من الأسماءِ التي تأتى على هذا المثالِ.
فتأويلُ الكلام إذن: فمن يَجْحَدُ رُبوبِيَّةَ كلِّ معبودٍ من دونِ اللَّهِ، فيَكْفُرْ به {وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} يقولُ: ويُصدِّقْ باللَّهِ أنه إلهُه وربُّه ومعبودُه [دونَ غيرِه] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} يقولُ: فقد تمسَّك بأَوثقِ ما يَتَمَسَّكُ به مَن طلَب الخلاصَ لنفسِه مِن عذابِ اللَّهِ وعقابِه.
كما حدَّثني أحمدُ بنُ سعيدِ بن يعقوبَ الكنديُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، عن حُميدِ بن عُقبةَ، عن أبي الدَّرْداءِ، أنه عاد مريضًا من جِيرتِه، فوجَده في السَّوْقِ ¬السوق: يقال: ساق المريض سوقا، إذا شرع في نزع الروح. التاج (س و ق).¥ وهو يُغَرْغِرُ، لا يَفْقَهون ما يريدُ، فسألهم: يريدُ أن يَنْطِقَ؟ قالوا: نعم، يريدُ أن يقولَ: آمنْتُ باللَّهِ، وكفَرْتُ بالطاغوتِ. قال أبو الدَّرْداءِ: وما عِلْمُكم بذلك؟ قالوا: لم يَزَلْ يُرَدِّدُها حتى انكسَر لسانُه، فنحن نعلمُ أنه إنّما يريدُ أن يَنْطِقَ بها. فقال أبو الدَّرْداءِ: أفلَح صاحبُكم، إن اللَّهَ يقولُ: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}.
والعُرْوةُ في هذا المكانِ مَثَلٌ للإيمانِ الذي اعْتَصَم به المؤمنُ، فشَبَّهه فِي تَعَلُّقِه به وتَمَسُّكِه، بالمُتَمَسِّكِ بعُروةِ الشيءِ الذي له عُروةٌ يُتَمَسَّكُ بها، إذ كان كلُّ ذي عُروةٍ فإنَّما يَتَعَلَّقُ مَن أرادَه بعُروتِه.
وجعَل جل ثناؤه الإيمانَ الذي تَمَسَّكَ به الكافرُ بالطاغوتِ المؤمنُ باللَّهِ، مِن أَوْثَقِ عُرَى الأشياءِ بقولِه: {الْوُثْقَى}.
و "الوُثْقَى" فُعْلَى، مِن الوَثاقِة، يقالُ في الذكَرِ: هو الأَوْثَقُ. وفي الأنثى: هي الوُثْقَى. كما يقالُ: فلانٌ الأفضلُ، وفلانةُ الفُضْلَى.
وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ [في قولِه: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}. قال: الإيمانُ ¬تفسير مجاهد ص 243، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 496 (2627)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 330 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: العُرْوةُ الوُثْقَى هو الإسلامُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 496 عقب الأثر (2627) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ، عن جعفرٍ - يَعْنِى ابنَ أبي المغيرةِ - عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} قال: لا إلهَ إِلا اللَّهُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 496 عقب (2624) معلقًا.¥.
حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ النَّهْدِيِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "لا انفصام لها"، وفي م: "مثله".
والأثر ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 199، والقرطبي في تفسيره 3/ 282.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {لَا انْفِصَامَ لَهَا}.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: {لَا انْفِصَامَ لَهَا}: لا انكسارَ لها. والهاءُ والألفُ في قولِه: {لَهَا} عائدةٌ على "العُروةِ".
ومعنى الكلامِ: فمن يَكفُرْ بالطاغوتِ ويؤمنْ باللَّهِ، فقد اعتصَم مِن طاعةِ اللَّهِ بما لا يُخْشَى مع اعتصامِه به ¬سقط من: م، س.¥ خذْلانُه إيَّاه، وإسلامُه عندَ حاجتِه إليه في أهوالِ الآخرةِ، كالمُسْتَمْسكِ بالوثيقِ مِن عُرَى الأشياءِ التي لا يُخشَى انكسارُ عُراها.
وأصلُ الفَصْمِ: الكَسْرُ، ومنه قولُ أعشَى بني ثعلبةَ ¬ديوانه ص 35.¥:
ومَبْسِمَها عن شَتِيتِ ¬الشتيت: المتفرق. اللسان (ش ت ت).¥ النَّبا ... تِ غيرِ أَكَسَّ ¬الأكس: من الكسس: وهو بروز الأسنان السفلى من الحنك الأسفل وتقاعس الحنك الأعلى. اللسان (ك س س).¥ ولا مُنْفَصِمْ ¬في الديوان: "منقصم".¥
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {لَا انْفِصَامَ لَهَا}. قال: لا يُغَيِّرُ اللَّهُ ما بقومٍ حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 497 (2629) من طريق ابن أبي نجيح به.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {لَا انْفِصَامَ لَهَا} قال: لا انقطاعَ لها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 496، 497 (2628) من طريق عمرو بن حماد به.¥.

القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)}.
يَعنى جل ثناؤُه: واللَّهُ سميعٌ إيمانَ المؤمنِ باللَّهِ وحدَه، الكافرِ بالطاغوتِ عندَ إقرارِه بوَحْدانيَّةِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه، وتَبَرُّئِه من الأندادِ والأوثانِ التي تُعبَدُ من دونِ اللَّهِ، عليمٌ بما عزَم عليه مِن توحيدِ اللَّهِ وإخلاصِ رُبوبيَّتِه قلبُه، وما انْطَوَى عليه من البَراءةِ مِن الآلهةِ والأصنامِ والطَّواغيتِ، ضميرُه، وبغيرِ ذلك مما أخْفَتْه نفسُ كلِّ أحدٍ مِن خلقِه، لا يَنْكَتِمُ عنه سرٌّ، ولا يَخْفَى عليه أمرٌ، حتى يُجازيَ كلًّا يومَ القيامةِ بما نطَق به لسانُه، وأَضْمَرَتْه نفسُه، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.

تفاسير بلغات أخرى · 8