تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 272

السورة 2 : الآية 272

لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)}.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: ليس عليك يا محمدُ هُدَى المشركين إلى الإسلام، فتمنَعَهم الصدقةَ التطوُّع، ولا تُعطيَهم منها؛ ليدخلوا في الإسلام حاجةً منهم إليها، ولكنَّ الله هو يَهْدى من يشاءُ مِن خلقه إلى الإسلام فيوفِّقُهم له، فلا تمنَعْهم الصدقة.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "شعبة".¥، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يتصدَّقُ على المشركين، فنزلت: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ}. فَتَصَدَّقَ عليهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو داود، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرْضَخُون ¬الرضخ: العطية القليلة. اللسان (ر ض خ).¥ لقراباتهم من المشركين، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 537 (2852) من طريق أبي داود به، وأخرجه النسائي في الكبرى (11052)، والطبراني (12453)، والحاكم 2/ 285، والبيهقي 4/ 191، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كانوا يتَّقون أن يرضَخوا لقراباتِهم من المشركين حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشار وأحمدُ بنُ إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائِهم من المشركين، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الآية. فرخَّص لهم ¬أخرجه البزار (2193 - كشف)، والحاكم 4/ 156 من طريق أبي أحمد الزبيرى به.¥.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان أناسٌ من الأنصار لهم أنسباءُ وقرابةٌ من قريظة والنَّضير، وكانوا يتَّقون أن يتصدَّقوا عليهم، ويُريدونهم أن يُسْلِموا، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: وذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالوا: أنتصدَّقُ على من ليس من أهل ديننا؟ فَأَنزل الله عزَّ وجلَّ في ذلك القرآنَ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. قال: كان الرجلُ من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابةٌ وهو محتاجٌ، فلا يتصدَّقُ عليه، يقولُ: ليس من أهل ديني. فأَنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}. الآية (2)
حدثني [موسى بن هارون] ¬في ص، م: "محمد".¥، قال: ثنا عمرو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قول: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ}: أَمَّا {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 538 (2856) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يتصدَّقون [على فُقَراءِ أَهلِ الذِّمَّةِ، فلمَّا كثر فقراء المسلمين، قالوا: لا نُعْطِيها إِلَّا المسلمين، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. قال: فكانوا بعد يُعْطُونهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. قال: يقول: إنما لها ثواب نفقتها، وليس لها من عمله شيءٌ، لو كان خير أهلِ الأرْضِ لم يكن لها مِن عمله شيءٌ، إنما لها أجر نفقتها، ولا تُسأَلُ عمَّن تريد تضعُ نفقتها فيه، فليس لها من عمله شيءٌ، إنما لها ثواب نفَقَتِها، {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصدَّقُوا إلا على أهل دينكم". فأنزل الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الآية إلى قوله: {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} ¬أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 177 عن جرير به.¥] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
[وأما قوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ}. فإنه يعنى جلَّ ثناؤه: وما تتصدَّقون به من مال - والمالُ هو الخيرُ الذي ذكره الله جلَّ ثناؤه في هذه الآية.
وقوله: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} تنفقون؛ ليكونَ لكم ذُخْرًا عند الحاجة إليه في مَعَادِكم.
وأما قوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} فإنه يعنى جلَّ جلاله: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فإنكم تُوَفَّوْنَه، فيرجع إليكم جزاؤه تامًّا وافيًا، فلا تَمُنُّوا على أحدٍ بما تصدَّقتم به عليه، ولا تمتنعوا من إعطائها من امتنعتم من إعطائه إياها من مشركي أهل الكتاب وغيرهم من أهل الإسلام، فإنكم لا تُظْلَمُون أَجْرَها فَتُبْخَسُوه، ولا تُنْقَصُونَه، بل على الله أن يوفِّيكم أجوركم وجزاءكم عليها] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}. قال: هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا تُؤذيه وتمنُّ عليه؟ إنما نفقتك لنفسك، وابتغاء وجه الله، واللهُ يَجْزيك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357، 358 إلى المصنف.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6