تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 273

السورة 2 : الآية 273

لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ}.
أما قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ}. فبيانٌ من الله تعالى ذكره عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تُنفِقُوا من خيرٍ فلأنفسكم، تُنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.
واللام التي في "الفقراء" مردودةٌ على موضع اللام من قوله: {فَلِأَنْفُسِكُمْ}. كأنه قال: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} يعنى به: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فللفقراء الذين أُحْصِروا في سبيلِ اللهِ. فلمّا اعْتَرض في الكلام بقوله: {فَلِأَنْفُسِكُمْ}. فَأَدْخَل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه، تُرِكت إعادتها في قوله: {لِلْفُقَرَاءِ}. إذ كان الكلام مفهومًا معناه.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ}: أَمَّا {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}. فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها، فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ¬تقدم تخريجه في ص 21.¥.
وقيل: إنَّ هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية هم فقراء المهاجرين خاصَّةً ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "عامة".¥ دونَ غيرِهم من الفقراء.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: مهاجرى قريشٍ بالمدينة مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أُمر بالصدقة عليهم ¬تفسير مجاهد ص 245، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 540 (2865).¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية. قال: هم فقراءُ المهاجرين بالمدينة ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف من قول الربيع.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. قال: فقراء المهاجرين ¬ينظر المحرر الوجيز 2/ 261، وتفسير القرطبي 3/ 399.¥.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
يَعْني بذلك تعالى ذكره: الذين جعلهم جهادهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسهم، فيحبسونها عن التصرُّف، فلا يستطيعون تصرُّفًا.
وقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على أنّ معنى الإحصارِ تصييرُ الرجلِ المُحْصِرِ مرَضُه أو فاقتُه أو جهادُه عدوَّه، وغيرُ ذلك من عليه، إلى حالة يحبس فيها نفسه عن التصرُّف في أسبابه، بما فيه الكفاية فيما مضى قبلُ ¬ينظر ما تقدم في 3/ 342 وما بعدها.¥.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: {الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. قال: حصروا أنفسَهم في سبيل الله للغزو ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 109، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 540 (2867) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. قال: كانت الأرض كلُّها كفرًا، لا يستطيعُ أحدٌ أن يخرُجَ يبتغى من فضلِ اللهِ، فإذا خرج خرج في كفرٍ. وقيل: كانت الأرضُ كلُّها حربًا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجَّهون جهةً إلَّا لهم فيها عدوٌّ، فقال الله تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. الآية. كانوا ههنا في سبيل الله ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف إلى قوله: خرج في كفر.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين حَصَرهم المشركون فمنعوهم التصرُّفَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: حصرهم المشركون في المدينة ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 540 (2868) من طريق عمرو به.¥.
ولو كان تأويل الآية على ما تأوَّله السُّديُّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصِروا في سبيل الله. ولكنه {أُحْصِرُوا}. فدل ذلك على أن خوفهم من العدوِّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحالِ التي حَبَسوا - وهم في سبيل الله - أنفسهم، لا أن العدوَّ هم كانوا الحابِسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدوُّ: حصره العدوُّ. وإذا كان الرجلُ المُحْبَسُ من خوف العدوِّ، قيل: أَحْصَره خوفُ العدوِّ.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلادِ؛ ابتغاء المعاش، وطلب المكاسب، فيستغنوا به ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عن الصدقات، رهبة العدوِّ، وخوفًا على أنفسهم منهم.
كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}: حصَروا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "حبسوا".¥ أنفسهم في سبيل اللهِ للغزو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "للعدو".¥، فلا يستطيعون تجارةً ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 109.¥.
حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} يعنى: التجارة ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف.¥.
وحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}: كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغى من فضل الله ¬تقدم في ص 24.¥.

القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}.
يَعْني بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعفُّفهم عن المسألة، وتركهم التعرُّضَ لما في أيدى الناس؛ صبرًا منهم على البأساء والضرَّاء.
كما حدَّثنا [بشرٌ بن معاذ، قال: حدَّثنا] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}. يقولُ: يحسبُهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفُّف.
ويعني بقولِه: {مِنَ التَّعَفُّفِ}: من تَرِك مسألةِ الناسِ، وهو "التفعُّلُ" من العفَّةِ عن الشيءِ، والعفَّةُ عن الشيءِ تركُه، كما قال رُؤْبةُ ¬تقدم البيت في 4/ 279.¥:
فعَفَّ عن أسرارِها بعدَ العسَقْ ¬في ص، م: "الغسق"، وفي ت 2: "العشق".¥
يعنى: ترَك ¬في ص، م، ت 2، "برئ"، وفي ت 1: "يروى".¥ وتجنَّب.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: تعرِفُهم يا محمدُ {بِسِيمَاهُمْ}، يعْني: بعلامتِهم وآثارِهم، من قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. وهذه لغةُ قريشٍ، ومِن العربِ مَن يقولُ: بسيمائِهم. فيمُدُّها، وأمَّا ثَقيفٌ وبعضُ أَسَدٍ فإنهم يقولون: بسيميائِهم، ومن ذلك قولُ الشاعرِ ¬هو ابن عنقاء الفزاري، والبيت في الكامل 1/ 22، وأمالي القالي 1/ 237، والمؤتلف والمختلف للآمدى ص 238، والأغاني 19/ 208.¥.
غُلامٌ رمَاه اللهُ بالحُسْنِ يافعًا ... له سِيمِياءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرُ
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في السِّيما التي أَخْبر اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أَنَّها لهؤلاءِ الفقراءِ الذين وصَف ¬في ص، م، ت 2: "وصفت".¥ صفتَهم، وأنهم يُعرَفون بها؛ فقال بعضُهم: هو التخشُّعُ والتواضعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ}. قال: التخشُّعُ ¬تفسير مجاهد ص 245، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 541 (2872)، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 109 عن معمر، عن مجاهد.¥.
وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، [قال: حدثنا إسحاقُ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، وفي الأصل: "قال: حدثنا أبو إسحاق"، وهو إسناد دائر، وتقدم على الصواب في ص 23.¥، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ: هو التخشُّعُ.
وقال آخرون: يَعْني بذلك: تعرِفُهم بسيما الفقرِ وجَهدِ الحاجةِ في وجوهِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ}: بسيما الفقرِ عليهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 541 (2873) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ}. يقولُ: تعرِفُ في وجوهِهم الجَهْدَ من الحاجةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 541 (2874) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وقال آخرون: يَعْني بذلك: تعرِفُهم برَثاثةِ ثيابِهم. وقالوا: الجوعُ خفيٌّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ}. قال: السيما: رَثاثةُ ثيابِهم، والجوعُ خفيٌّ على الناسِ، ولم تستطعِ الثيابُ التي يَخْرُجون فيها تَخْفَى على الناسِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف.¥.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله عزَّ وجلَّ أَخْبر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه يعرِفُهم بعلاماتِهم وآثارِ الحاجةِ فيهم، وإنما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُدرِكُ تلك العلاماتِ والآثارَ منهم عندَ المشاهدةِ بالعِيانِ، فيعرِفُهم وأصحابُه بها، كما يُدرَكُ المريضُ فيُعلَمُ أنه مريضٌ بالمعاينةِ.
وقد يجوزُ أن تكونَ تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكونَ كانت أثرَ الحاجةِ والضُّرِّ، وأن تكونَ كانت رَثاثةَ الثيابِ، وأن تكونَ كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرَكُ علاماتُ الحاجةِ وآثارُ الضُّرِّ في الإنسانِ، ويُعلَمُ أنها من الحاجةِ والضُّرِّ، بالمعاينةِ دونَ الوصفِ، وذلك أن المريضَ قد يصيرُ به في بعضِ أحوالِ مرضِه من المرضِ، نظيرُ آثارِ المجهودِ من الفاقةِ والحاجةِ، وقد يلبَسُ الغنيُّ ذو المالِ الكثيرِ الثيابَ الرَّثَّةَ، فيتزيَّا بزيِّ أهلِ الحاجةِ، فلا يكونُ في شيءٍ من ذلك دَلالةٌ بالصفةِ على أن الموصوفَ به مختلٌّ ذو فاقةٍ، وإنما يُدْرَكُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "يدرى".¥ ذلك عندَ المعاينةِ بسيماه، [كما وصَفهم اللهُ به، نظيرَ ما يُعرَفُ المريضُ بأنه مريضٌ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض".¥ عند المعاينةٍ، دونَ وصفِه بصفتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}.
[يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: لا يسألون الناسَ إلحاحًا] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. يقالُ: قد أَلْحَف السائلُ في مسألتِه، إذا ألحَّ، فهو يُلحِفُ فيها إلحافًا.
فإن قال قائلٌ: أفكان هؤلاء القومُ يسألون الناسَ غيَر إلحافٍ؟
قيل: غيُر جائزٍ أن يكونوا كانوا يسألون الناسَ شيئًا على وجهِ الصدقةِ إلحافًا [وغيَر الحافٍ] ¬كذا في النسخ، ولعل الصواب: "ولا غير إلحاف". ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 181، وما سيأتي في الصفحة التالية.¥، وذلك أن الله عزَّ وجلَّ وصَفهم بأنهم كانوا أهلَ تعفُّفٍ، وأنهم إنما كانوا يُعرَفون بسيماهم، فلو كانت المسألةُ من شأنِهم لم تكنْ صفتُهم التعفُّفَ، ولم [تكنْ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى معرفتِهم بالأدلةِ والعلاماتِ حاجةٌ، إذ كانت] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "ولم يكن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى علم معرفتهم بالأدلة"، وكذا في م، وزاد: "والعلامة حاجة وكانت".¥ المسألةُ الظاهرةُ تُنْبِئُ على حالِهم وأمرِهم.
وفي الخبرِ الذي حدَّثنا به بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدُ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن هلالِ بن حصنِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: أَعْوَزْنا مرةً، فقيل لى: لو أتيتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فسألتَه. فانطلقتُ إليه مُعْنِقًا ¬أي: مسرعا. النهاية 3/ 310.¥، فكان أوَّلَ ما واجَهنى به. "مَن استعفَّ أعفّه اللَّهُ، ومن اسْتَغنَى أَعْناه اللَّهُ، ومَن سأَلَنا لم ندَّخِرُ عنه شيئًا نجِدُه". قال: فرجَعتُ إلى نفسي، فقلتُ: أَلا أستعِتُّ فيُعِفَّنى اللهُ! فرجَعتُ، فما سألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا بعدَ ذلك من أمرِ حاجةٍ، حتى مالت علينا الدنيا فغرَّقتنا، إلا مَن عصَم اللهُ ¬أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2/ 16 من طريق يزيد به، وأخرجه أبو يعلى (1129، 1267) من طريق قتادة به، وأخرجه أحمد 17/ 488 (11401) من طريق هلال به.¥ - الدلالةُ الواضحةُ على أن التعفُّفِ معنًى ينفِي معنَى المسألةِ من الشخصِ الواحدِ، وأنّ مَن كان موصوفًا بالتعفُّفِ، فغيرُ موصوفٍ بالمسألةِ إلحافًا وغيرَ الحافٍ] (1).
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ، فما وجهُ قولِه: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}. وهم لا يسألون الناسَ إلحافًا ولا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ غيرَ إلحافٍ؟
قيل له: وجهُ ذلك أن الله تعالى ذكرُه لمّا وصَفهم بالتعفُّفِ، وعرَّف عبادَه أنهم ليسوا أهلَ مسألةٍ بحالٍ، بقولِه: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}. وأنهم إنما يُعْرَفون بالسيما، زاد عبادَه إبانةً لأمرِهم، وحُسْنَ ثناءٍ عليهم، بنَفْى الشَّرَةِ والضَّراعةِ التي تكونُ في المُلحِّين من السُّؤَّالِ عنهم، [وقد كان بعضُ القائلين يقولُ في ذلك: هو نظيرُ قولِ القائلِ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "وقال كاد بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل". وفي م: "وقال كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل".¥: قلَّما رأيتُ مثلَ فلانٍ. ولعلَّه لم يرَ مثله أحدًا ولا له (1) نظيرًا.
وبنحوِ الذي قُلنا في معْنى "الإلحافِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}. قال: لا يُلْحِفون في المسألةِ.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}: هو الذي يُلِحُّ في المسألةِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 359 إلى المصنف.¥.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الحليمَ الَحِييَّ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الغنِيَّ المتعفِّفَ، ويُبْغِضُ الغنيَّ الفاحشَ البَذيءَ السائلَ المُلْحِفَ" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 359، 363 إلى المصنف وابن المنذر.¥. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: "إنَّ اللهِ كرِه لكم ثلاثًا؛ [قيلَ وقالَ] ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3: "قيلا وقالا".¥، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ" ¬وأصل الحديث عند البخاريّ (1477)، ومسلم (1715) من حديث المغيرة بن شعبة.¥. فإذا شيءتَ رأيتَه في قيلَ وقالَ يومَه أجمعَ وصدرَ ليلتِه، حتى يُلقَى جِيفةً على فراشِه، لا يجعَلُ اللهُ له من نهارِه ولا ليلتِه نصيبًا، وإذا شيءتَ رأيتَه ذا مالٍ يُنْفِقُه ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ في شهوتِه ولذَّاتِه ومَلَاعبه، ويعدِلُه عن حقِّ اللهِ، [وكَبُرت بتلك] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "وكثرت بذلك"، وفي م: "فذلك".¥ إضاعةُ المالِ، وإذا شيءتَ رأيتَه باسطًا ذراعَيْه، يسألُ النا
سَ في كفَّيه، فإِنْ أُعطِيَ أَفْرَط في حَمْدِهم ¬في م: "مدحهم".
*من هنا خرم في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3 إلى ص 35.¥، وإن مُنِع أَفْرَط في ذمِّهم.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أيمنَ بن نابلٍ*، قال: حدَّثني صالحُ بنُ سُويدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: "ليس المسكينُ بالطَّوَّافِ الذي تردُّه الأكْلَةُ والأكلتان، ولكنَّ المسكِينَ المُتَعفِّفُ في بيْتِه، لا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيئًا، تُصيبُه الحاجةُ". اقرَءوا إن شيءتم: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 480 عن المصنف، وفيه: الحسن بن ماتك. مكان: أيمن بن نابل. وأصل الحديث في البخاريّ (4539)، ومسلم (1039).¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: وما تُنْفِقُوا أيها الناسُ مِن مالٍ، فتَصَّدَّقوا على أهلِ ذمَّتِكم تطوعًا منكم، أو تُعْطُوه مَن أمَركم ربُّكم بإعْطائِه مِن الفُقَرَاءِ الذين أُحْصِرُوا في سبيلِ اللهِ ممّا فرَضه اللهُ لهم في أموَالِكم، فإِنَّ الله بكلِّ ذلك عليمٌ، يُحْصِيه لكم، ويدَّخِرُ ثَوابَه عندَه لكم، حتى يُوفِّيَكم على جَميعِ ذلك أُجُورَكم، ويُعْظِمَ لكم عليه في المَعادِ جزاءَكم.

تفاسير بلغات أخرى · 6