تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 274

السورة 2 : الآية 274

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)}.
يعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: مَن يُنْفِقُ مالَه باللَّيلِ والنَّهارِ في السرِّ والعَلانيةِ، فيتصدَّقُ به ابتغاءَ اللهِ وطلَبَ ثَوابِه، فله أجْرُ صَدَقتِه مَذْخُورًا له عند ربِّه حتى يُوفِّيَه إيَّاه في مَعَادِه يومَ بعْثِه، ولا خوفٌ عليه يومَ القيامةِ مِن عِقابِه وعَذابِه، ولا في أهوالِ قِيامَتِه، ولا هو يحْزَنُ عِندَ مَقْدَمِه عليه بمُعَايِنَتِهِ مِن عَظيمِ كَرامةِ اللهِ التي أعدَّها له على ما خلَّف وراءَه في الدنيا.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعْنى الذي أُنْزِلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أُنزلت في عليّ بن أبي طالبٍ رحِمه اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الوهابِ بنُ مجاهدٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} قال: نزلت في عليٍّ؛ كانت معه أربعةُ درَاهمَ، فأنفق بالليلِ درهمًا، وبالنهارِ، درهمًا، وسرًّا درهمًا، وعلانيةً درهمًا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 108، ومن طريقه الطبراني في الكبير (11164)، والواحدى في أسباب النزول ص 64، وابن عساكر في تاريخ دمشق 12/ 306 (مخطوط)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 543 (2883)، والواحدى في أسباب النزول ص 64، وابن عساكر في الموضع السابق من طريق عبد الوهاب عن مجاهد قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} قال: كان لرجُلٍ أربعةُ دراهمَ، فأنفَق درهمًا باللَّيلِ، ودرهمًا بالنَّهارِ، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا عَلانيةً ¬ذكره القرطبي في تفسيره 3/ 347.¥.
وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في النَّفقةِ على الخَيْلِ في سبيلِ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: حدَّثني رجالٌ ¬في الأصل: "رجل". ولعل المثبت هو الصواب.¥ مِن أهلِ العلمِ، منهم عبدُ الرحمنِ بنُ شُريحٍ، عن قيْسٍ بن الحجاجِ، عن حَنَشِ بن عبدِ اللهِ، قال بعضُهم عن ابنٍ عباسٍ في هذه الآيةِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} الآية: إنها في عَلْفِ الخَيْلِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 543 (2881)، والواحدى في أسباب النزول ص 63 من طريق عبد الرحمن بن شريح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ - يعْنى ابنَ شُريحٍ - عن عبدِ اللهِ بن بشرٍ الغافقيِّ، أنه أشار إلى بعضِ خَيْلٍ كانت في الَجبَّانَةِ، فأشار إلى عِتَاقِ تلك الخَيْلِ، فقال: أصحابُ هؤلاءِ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً}. قال - يعْنى عبدَ الرحمنِ بنَ شُرَيحٍ -: وحدَّثني يعقوبُ بنُ عمرٍو المَعَافِريُّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ بنحوِ ذلك ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 268، والقرطبي في تفسيره 3/ 346.¥.
وحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ، عن العجلانِ بن سُهيلٍ، عن أبي أمامةَ في تفسيرِ هذه الآيةِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً}. قال: نزلت في أصحابِ الخَيْلِ في مَن لم يَرْتَبِطْهَا لخُيلاءَ ولا مِضْمارٍ ¬المضمار: المكان تضمر فيه الخيل أو تتسابق.
والأثر أخرجه ابن عساكر في تاريخه 11/ 456 - مخطوط من طريق ضمرة بن ربيعة به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 64، وابن عساكر 11/ 457 - مخطوط من طريق زيد بن الحباب عن رجاء بن أبي سلمة عن سليمان بن موسى عن عجلان به.¥.
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُميُّ، عن سعيدٍ، عن الحسَنِ، عن الأوزاعيِّ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً}. قال: هم الذين يَرْتَبِطون الخَيْلَ خاصةً في سبيلِ اللهِ، يُنفقون عليها باللَّيلِ والنَّهارِ ¬ذكره البغوي في تفسيره 1/ 340، والقرطبي في تفسيره 3/ 346.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني أبو شُريحٍ عبدُ الرحمنِ بن شريحٍ المعَافريُّ، عن قيسِ بن الحجاجِ، عن حَنَشٍ الصَّنْعانيِّ أنه قال: حدَّث ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} قال: في عَلْفِ الخَيْلِ ¬أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 63 من طريق عبد الله بن صالح به
* هنا نهاية الخرم المشار إليه في ص 32.¥.
* وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن رِشدين بن سعدٍ، قال: أخبرني شيخٌ من غافقٍ ¬غافق بن الشاهد: بطن من عك من الأزد، من القحطانية، وهم بنو غافق بن الشاهد بن عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. وإليهم تنسب الحصن ولهم خطة بمصر، وكان منهم في الإسلام رؤساء وأمراء. معجم قبائل العرب 3/ 875 تاج العروس (غ ف ق).¥، أنَّ أبا الدرداءِ كان ينظُرُ إلى الخيلِ مَرْبوطةً بينَ البَراذينِ والهُجْنِ، فيقولُ: أهلُ هذه - يعنى الخيلَ - من {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى المصنف.¥.
وقال آخرون: عنَى بذلك قومًا أنفقوا في سبيلِ اللهِ، في غيرِ إسرافٍ ولا تقتيرٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} إلى قولِه: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: هؤلاءِ أهلُ الجنةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 543 (2885) من طريق يزيد به.¥. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: "المُكْثِرون هم الأسفلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال: "المُكْثِرون هم الأَسْفَلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال: "المُكْثِرون هم الأَسْفَلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ حتى خَشُوا أن تكونَ قد مضَت فليس لها رَدٌّ، حتى قال: "إلَّا مَن قال بالمالِ هكذا وهكذا، عن يمينِه وعن شِمالِه، وهكذا بينَ يدَيْه، وهكذا خلْفَه، وقليلٌ ما هم" ¬أخرجه أحمد 15/ 322 (9526)، وابن ماجه (4131) من حديث أبى هريرة مرفوعًا.¥. هؤلاء قومٌ أَنْفَقوا في سبيلِ اللهِ التي افْتَرض وارْتَضى، في غيرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ، ولا تبذيرٍ ولا فسادٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وقد قيل: إن هذه الآياتِ من قولِه: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ}. إلى قولِه: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. كان مما يُعمَلُ به قبلَ نزولِ ما في سورةِ "براءة" من تفصيلِ الزكواتِ ¬يشير إلى الآية 60 من سورة التوبة.¥، فلما نزَلت "براءة" قصَروا عليها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} إلى قولِ {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: فكان هذا يُعملُ به قبلَ أنْ تَنزِلَ "بَراءة"، فلمَّا نزَلتْ "براءة" بفرائضِ الصدقاتِ وتفصيلِها انتهتِ الصدقاتُ إليها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 535 (2843) عن محمد بن سعد به.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6