تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبُون.
والإرْباءُ: الزِّيادة على الشيءِ، يقالُ منه: أَرْبَى فلانٌ على فلانٍ، إذا زادَ عليه، يُرْبى إرْباءً، والزِّيادةُ هي الرَّبا. ورَبا الشيءُ، إذا زادَ على ما كان عليه فعَظُمَ، فهو يَرْبُو رَبْوًا. وإنما قيلَ للرابيةِ: رَابيةٌ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥؛ لزيادتِها في العِظم والإشْرافِ على ما استوى مِن الأرضِ ممَّا حَولَها، مِن قولِهم: رَبَا يَرْبُو. ومِن ذلك قيلَ: فلانٌ في رِبا قومِه. يُرادُ به أنه في رفِعَةٍ وشرفٍ منهم، فأصْلُ الرِّبا الإناقَةُ والزِّيادَةُ، ثم يُقالُ: أرْبَى فلانٌ. أيْ: أنافَ [غيرَه و] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ صَيَّره زائدًا. وإنّما قِيلَ للمُرْبى مُرْيبًا؛ لتضْعِيفِه المالَ الذي كان له على غريِمه حلالًا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "حالا".¥، أو لزيادتِه عليه فيه بسَبَبِ الأَجَلِ الذي يُؤخِّره إليه، فيَزِيدُه إلى أجَلِه الذي كان له قبلَ حَلِّ دَيْنِه عليه. ولذلك قال جلَّ ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 131].
وبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال في الرِّبا الذي نَهى اللهُ عنه: كانوا في الجاهليةِ يكونُ للرجلِ على الرجلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لكَ كذا وكذا، وتُؤَخِّرُ عنِّى. فيُؤخِّرُ عنه ¬تفسير مجاهد ص 245، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 548 (2912)، والبيهقي 5/ 275.¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أَنّ رِبَا أَهْلِ ¬سقط من: م.¥ الجاهليةِ؛ يبيعُ الرجلُ البيعَ إلى أجلٍ مُسمًّى، فإذا حَلَّ الأجلُ ولم يكنْ عندَ صاحبِه قضاءٌ زادَ وأَخَّرَ عنه.
فقال جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبونَ الرِّبا الذي وصَفْنا صِفَتَه، في الدنيا، {لَا يَقُومُونَ} في الآخرةِ مِن قُبورِهم {إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. يَعْني بذلك: يَتَخَبَّلُه الشيطانُ في الدنيا، وهو الذي يتخنَّقُه ¬في م: "يتخبطه".¥ فيصْرَعُه، {مِنَ الْمَسِّ} اللَّه يَعنِي: مِن الجنونِ.
وبمثلِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قالَ ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}: يومَ القيامةِ، في أكلِ الرِّبا في الدنيا ¬تفسير مجاهد ص 245.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. قال: ذلك حينَ يُبعَثُ من قبرِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 364 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُقالُ يومَ القيامةِ لآكلِ الرِّبا: خُذْ سلاحَكَ للحَرْبِ. وقرأ: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. قال: ذلك حين يُبعثُ مِن قبرِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 (2920) من طريق ربيعة به، دون آخره.¥.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أشْعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبير: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} الآية. قال: يُبعث آكلُ الرِّبا يومَ القيامةِ مجنونًا يُخْنَقُ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 562 عن جرير به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}: وتلك علامة أهلِ الرِّبا يومَ القيامةِ، بُعِثُوا وبهم خَبَلٌ من الشيطانِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادَةَ في قولِه: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. قال: هو التخْبيلُ الذي يَتَخَبَّلُه الشيطانُ مِن الجنونِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 110.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. قال: يُبعثُون يومَ القيامةِ وبهم خَبَلٌ مِن الشيطانِ، وهي في بعضِ القراءةِ: (لا يقُومُون يومَ القيامةِ) ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 364 إلى المصنف. وهذه القراءة ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 270 عن ابن مسعود.¥.
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. قال: مَن مات وهو يأكلُ الرِّبا، بُعِثَ يومَ القيامةِ مُتخبِّطًا، كالذي يَتَخَبَّطُه الشيطانُ مِن المسِّ.
حدَّثني موسىَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ} [يومَ القيامةِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ {إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. يعْنى: مِن ¬سقط من: الأصل.¥ الجنونِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 544 عقب الأثر (2889) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. قال: هذا مَثلُهم يومَ القيامةِ، لا يقُومُون يومَ القيامةِ مع الناسِ، إلَّا كما يَقومُ الذي يُخْنقُ مع الناسِ، يقومُ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ يومَ القيامةِ كأنه خُنِقَ، كأنه مَجنونٌ.
ومعْنى قولِه: {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}: يَتَخَبَّلُه مِن مَسَّهِ إِيَّاه. يقالُ منه: قد مُسَّ الرجلُ [وأُلِيسَ] ¬سقط من: م.¥ وأُلِقَ، فهو مَمسوسٌ [ومألُوسٌ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ومَأْلُوقٌ. كلُّ ذلك إذا ألمَّ به اللَّمَمُ فجُنَّ. ومنه قولُ اللهِ عزّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} [الأعراف:201]، ومنه قولُ الأعشَى ¬ديوانه ص 221.¥:
وتُصْبحُ عن ¬في الديوان: "من".¥ غِبِّ السُّرَى وكأنما ... ألَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أَوْلَقُ
فإن قال لنا قائلٌ: أفرأيتَ مَن عَمِلَ ما نهَى اللهُ عنه مِن الرِّبا في تجارته ولم يأكُلْه، أيَستحِقُّ هذا الوعيدَ مِن اللهِ؟
قيل: نعم، وليس المقصودُ مِن الرِّبا في هذه الآيةِ [النهيَ عن أكلِه خاصةً، دونَ النهيِ عن العملِ به، وإنما خصَّ اللهُ وصْفَ العاملين به في هذه الآيةِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بالأكلِ ¬في م: "الأكل".¥؛ لأن ¬في م: "إلا أن".¥؛ لأن الذين نزَلتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزَلتْ، كانت طُعْمَتُهم ومَأكلُهم مِن الرّبا، فَذَكَرَهم بصِفَتِهم، مُعظِّمًا بذلك عليهم أَمْرَ الرِّبا، ومُقَبِّحًا إليهمِ الحالَ التي هم عليها في مَطاعِمِهم. وفي قولِه جلَّ ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية. ما يُنْبِيءُ ¬في الأصل، ص، ت 1: "بين".¥ عن صحةِ ما قُلنا في ذلك، وأنّ التحريمَ مِن اللهِ في ذلك كان لكلِّ معانِى الرِّبا، وأن سواءً العملُ به وأكلُه وأخْذُه وإعطاؤُه، كالذي تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من قولِه: "لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتِبَه، وَشاهِدَيْهِ إِذا عَلِمُوا ¬في ص: "عملوا".¥ بِهِ" ¬أخرجه البخاري (2086) من حديث أبي جحيفة
، ومسلم (1597)، وأبو داود (3333)، والترمذي (1206)، وابن ماجه (2777)، وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}.
يَعْنى بقولِه ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "بذلك جل ثناؤه".¥: {ذَلِكَ}: الذي وصَفَهم اللهُ به مِن قيامِهم يومَ القيامة مِن قبورِهم، كقيامِ الذي يتخبَّلُه ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "يتخبطه".¥ الشيطانُ ¬بعده في م: "من المس".¥ مِن الجنونِ، فقال: هذا الذي ذَكَرْنا أنه يُصيبُهم يومَ القيامةِ من قُبحِ حالِهم، ووَحْشَةِ قيامِهم مِن قُبورِهم، وسوءِ ما حَلَّ بهم، مِن أجلِ أنهم كانوا في الدنيا يَكْذبون فيَفْتَرون ويقُولون: {إِنَّمَا الْبَيْعُ} الذي أحَلَّه اللهُ لعباده {مِثْلُ الرِّبَا}. وذلك أنّ الذين كانوا يأكلونَ الرِّبا مِن أَهلِ الجاهليةِ، كان إذا حَلَّ مالُ أحدِهم على غَريمهِ يقولُ الغريمُ لصاحبِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "لغريم".¥ الحقِّ: زِدْنى في الأجلِ وأزيدَك في مالِكَ. فكان يُقالُ لهُما إذا فَعلَا ذلك: هذا ربًا لا يَحِلُّ. فإذا قِيلَ لهما ذلك قالَا: سواءٌ علينا زِدْنا في أوَّل البيع أو عندَ مِحلِّ المالِ. فكذَّبَهم اللهُ في قِيلِهم، فقال جلّ ثناؤُه: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)}.
يعْنى [بقولِه: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}: وأحلَّ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "جل ثناؤه وأحل الله".¥ الأرْباحَ في التجارةِ والشراءِ والبيعِ، {وَحَرَّمَ الرِّبَا}، يَعنى الزِّيادَةَ التي يُزادُها ربُّ المالِ بسببِ زيادَتِه غريمَه في الأجلِ وتأخيرِه دَيْنَه عليه. يقولُ تعالى ذكرُه: فليست الزيادتان اللتان إحْداهما من وَجْهِ البيعِ والأخْرَى مِن وَجهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ، سواءً، وذلكَ أَنَّي حرَّمت إحدَى الزيادتينِ - وهي التي مِن وَجْهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ - وأحْلَلتُ الأخرَى منهما - وهي التي مِن وَجْهِ الزيادةِ على رأسِ المالِ الذي ابتاع به البائعُ سِلْعَتَه التي يَبيعُها فيسْتفْضِلُ فضْلَها - فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم ¬زيادة من: الأصل.¥: ليست الزيادةُ من وجْهِ البيعِ نظيرَ الزِّيادةِ مِن وجهِ الرِّبا؛ لأنِّى أحْلَلْتُ البيعَ وحَرَّمتُ الرِّبا، والأمرُ أمرِي، والخَلَقُ خَلْقِي، أقْضِى فيهم ما أشاءُ، وأسْتَعْبِدُهم بما أريدُ، ليسَ لأحدٍ منهم أنْ يَعترضَ في حُكْمِيِ، ولا أنْ يُخالفَ أمرِي، وإنما عليهم طاعتي والتَّسْليمُ الحكمِي.
ثم قال جلّ ثناؤُه: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى}. يعْنى بالموعظَةِ التذكيرَ والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوَّفَهم به في آيِ القرآنِ، وأوْعدَهُم على أكلِهم الرِّبا مِن العقابِ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن جاءَه ذلكَ، {فَانْتَهَى} عن أكْلِ الرِّبا، وارْتَدعَ عن العملِ به، وانزَجرَ عنه، {فَلَهُ مَا سَلَفَ}، يعْني: ما أكلَ وأخذَ، فمضَى قبلَ مجيءِ الموعظةِ والتحريمِ من ربِّه في ذلك، {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}، يَعنى: وأمْرُ آكلِه [إلى اللهِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بعد مَجيئِه الموعظةُ من ربِّه والتحريمُ، وبعدَ انتهاءِ آكِلِه عن أكْلِه، {إِلَى اللَّهِ} في عِصْمتِه وتوفيقِه، إن شاءَ عصَمه عن أكْلِه، وثَبَّتَه في انتهائِه عنه، وإِن شاءَ خَذَله ذلك، {وَمَنْ عَادَ}، يقولُ: ومن عادَ لأكْل الرِّبا بعدَ التحريمِ، وقال ما كان يقولُه قَبلَ مجيءِ الموعظةِ من اللهِ بالتحريمِ من قولِه: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}، {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: يعْنى ففاعِلُو ذلك وقائِلُوه هم أهلُ النارِ، يعْنى نارَ جهنم، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، [يعني: دائمو البقاءِ فيها، لا يموتون فيها
ولا يَخرُجون منها] ¬¥.
وبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قالَ ما قلنا في قولِه: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى}.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}: أما الموعظةُ فالقرآنُ، وأما {مَا سَلَفَ}: فلَه ما أكَلَ من الرِّبا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 545، 546 (2894)، عقب الأثر (2898) من طريق عمرو بن حماد به.¥.