تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}.
يَعْني بذلك كُفَّارَ بني إسرائيلَ، وهم -فيما ذُكر- بنو أخى المقتولِ، فقال لهم: ثم قسَتْ قلوبُكم. أي: جَفَتْ وغلُظتْ وعَسَتْ، كما قال الراجزُ ¬مجاز القرآن 1/ 158.¥:
وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسا لُدَّتى ¬في النسخ: "لدنى". والمثبت من مجاز القرآن، واللدة: التِّرب، وهو الذي يولد معك في وقت واحد. التاج (و ل د).¥
يُقالُ: قسا وعسا وعتا، بمعنًى واحدٍ، وذلك إذا جفا وغلُظ وصلُب. يُقالُ منه: قسا قلبُه يَقسُو قَسْوًا وقَسوةً وقَساوةً وقَساءً.
ويعنى بقولِه: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: مِن بعدِ أن أحيا المقتولَ لهم الذي ادَّارءوا في قتْلِه، فأخبرَهم بقاتلِه، وما السببُ الذي مِن أجْلِه قتَله. كما قد وصَفْنا قبلُ على ما جاءت به ¬سقط من: م، ت 2.¥ الآثارُ والأخبارُ، وفصَل اللهُ تعالى ذكرُه بخبرِه بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِلِ. وكانت قساوةُ قلوبِهم التي وصَفهم اللهُ بها أنهم -فيما بلَغَنا- أنكَروا أن يَكُونوا هم قتَلوا القتيلَ الذي أحياه اللهُ، فأخبَر بني إسرائيلَ بأنهم كانوا قَتَلَتَه بعدَ إخبارِه إيّاهم بذلك، وبعدَ مِيتَتِه الثانيةِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا ضُرِب المقتولُ ببعضِها -يعنى ببعضِ البقرةِ- جلَس حيًّا ¬بعده في ت 1، ت 2، ت 3: "ما كان قط".¥، فقِيل له: مَن قتَلك؟ فقال: بنو أخى قتَلونى. ثم قُبِض، فقال بنو أخيه حينَ قُبِض: واللهِ ما قتَلْناه. فكذَّبوا بالحقِّ بعدَ إذ رأَوْه، فقال اللهُ: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: يعنى بني أخى الشيخِ، {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 162 عن عطية العوفى به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}. يقولُ: مِن بعدِ ما أراهم اللهُ مِن إحياءِ الموتى، وبعدَ ما أراهم مِن أمْرِ القَتيلِ ما أراهم، {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 146 (757) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد.¥.
[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ}: من بعدِ هذه الآيةِ، {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}] ¬سقط من: م، ت 2. والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 50، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 146 (758) عن الحسن بن يحيى به.¥.
[حدَّثني المثنَّى، قال: حدثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}] ¬سقط من: م.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}.
يعنى بقولِه: {فَهِىَ}. قلوبَكم، يقولُ: ثم صلُبتْ قلوبُكم -بعدَ إذ رأيتُم الحقَّ فتبيَّنْتُموه وعَرَفْتُموه- عن الخُضوعِ له والإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليكم، فقلوبُكم كالحجارةِ صلابةً ويُبْسًا، وغِلَظًا وشِدَّةً، أو أشدُّ صلابةً -يعنى قلوبَكم- عن الإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليهم، والإقرارِ له باللازمِ مِن حقوقِه لهم من الحجارةِ.
فإن سأل سائلٌ فقال: وما وجهُ قولِه: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} و"أوْ" عند أهلِ العربيةِ إنما تأتى في الكلامِ لمعنى الشكِّ، واللهُ تعالى جل ذكرُه غيرُ جائزٍ في خبرِه الشكُّ؟
قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذي توهَّمْتَه مِن أنه شكٌّ مِن اللهِ جل ذكرُه فيما أَخبَر عنه، ولكنه خبرٌ منه عن قلوبهم القاسيةِ أنها -عند عبادِه الذين هم أصحابُها الذين كذَّبوا بالحقِّ بعد ما رأوُا العظيمَ مِن آياتِ اللهِ- كالحجارةِ قسوةً أو أشدُّ مِن الحجارةِ عندهم وعند مَن عرَف شأنَهم، وقد قال في ذلك جماعةٌ من أهلِ العربيةِ أقوالًا؛ فقال بعضُهم: إنما أراد اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. وما أشبهَ ذلك من الأخبارِ التي تأتى بـ "أو" كقولِه: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]. وكقولِ اللهِ جلَّ ذكرُه: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24]. فهو عالمٌ أي ذلك كان. قالوا: ونظيرُ ذلك قولُ القائلِ: أكلتُ بُسْرَةً أوْ رُطَبَةً. وهو عالمٌ أي ذلك أكَل، ولكنَّه أبْهَم على المخاطَبِ، كما قال أبو الأسودِ الدِّيلىُّ ¬ديوانه (نفائس المخطوطات) ص 32، 33.¥:
أُحِبُّ مُحَمّدَا حُبًّا شَدِيدًا ... وعَبَّاسًا وحَمْزَةَ وَالوَصِيّا
فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رَشَدًا أُصِبْه ... وَلَسْتُ بِمُخْطئٍ إنْ كانَ غَيّا
قالوا: ولا شكَّ أن أبا الأسودِ لم يكن شاكًّا في أن حُبَّ مَن سمَّى رَشَدٌ، ولكنه أَبْهَم على مَن خاطَبه به. وقد ذُكِرَ عن أبي الأسودِ أنه لما قال هذه الأبياتَ قيل له: شكَكتَ؟ فقال: كلَّا واللهِ. ثم انتزَع ¬انتزع: تمثل. التاج. (ن ز ع).¥ بقولِ اللهِ عزّ وجل: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. فقال: أوَ كان شاكًّا مَن أخبَر بهذا في الهادى من الضلالِ؟!
وقال بعضُهم: ذلك كقولِ القائلِ: ما أطعمتُك إلَّا حُلْوًا أوْ حامضًا. وقد أطعَمه النوعين جميعًا. فقالوا: فقائلُ ذلك لم يكنْ شاكًّا أنه قد أطعَم صاحبَه الحُلْوَ والحامضَ كليهما، ولكنه أراد الخبرَ عمَّا أطعَمه إيَّاه أنه لم يَخرُجْ عن هذين النوعين.
قالوا: فكذلك قولُه: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. إنما معناه: فقلوبُهم لا تَخرُجُ من أحدِ هذين المَثَليْنِ؛ إمّا أن تكونَ مَثلًا للحجارةِ في القسوةِ، وأما أن تكونَ أشدَّ منها قسوةً. ومعنى ذلك على هذا التأويلِ: فبعضُها كالحجارةِ قسوةً، وبعضُها أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.
وقال بعضُهم: "أو" في قوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. بمعنى: وأشدُّ قسوةً. كما قال تبارك وتعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24]. بمعنى: وكفورًا. وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ ¬تقدم البيت في 1/ 355.¥؛
نال الخلافةَ أوْ كانَتْ له قَدَرًا ... كمَا أتَى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ
يعنى: نال الخلافةَ وكانت له قَدَرًا. وكما قال النابغةُ ¬ديوانه ص 16.¥:
قالَتْ [ألا لَيْتَما] ¬في الديوان: "فياليتما".¥ هَذَا الحَمامُ لَنا ... إلى حَمامَتِنا أوْ ¬في الديوان: "و".¥ نِصْفُهُ فَقَدِ ¬فقد: حسب. اللسان (ق د د).¥
يريدُ: ونصفُه.
وقال آخَرون: "أو" في هذا الموضعِ بمعنى "بل". فكان تأويلُه عندَهم: فهى كالحجارةِ بل أشدُّ قسوةً. كما قال جل ثناؤه: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}. بمعنى: بل يزيدون ¬ينظر معانى القرآن للفراء 1/ 72.¥.
وقال آخَرون: معنى ذلك: فهى كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً عندَكم.
قال أبو جعفرٍ: ولكلٍّ ممَّا قيل مِن هذه الأقوالِ التي حكَيْنا وجهٌ ومَخرَجٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أعجبَ الأقوالِ إلىَّ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "التى".¥ في ذلك ما قلْناه أوَّلا، ثم القولُ الذي ذكرْناه عمَّن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى: فهى أوْجُهٌ في القسوةِ من أن تكونَ كالحجارةِ أو أشدَّ. على تأويلِ أن منها كالحجارةِ، ومنها أشدَّ قسوةً؛ لأن "أو" وإن استُعمِلتْ في أماكنَ مِن أماكنِ "الواوِ" حتى يَلتبِسَ معناها ومعنى "الواوِ" -لتقارُبِ معنيَيْهما في بعضِ تلك الأماكنِ- فإن أصلَها أن تأتىَ بمعنى أحدِ الاثنينِ، فتوجيهُها إلى أصلِها -[مَن وجَد] ¬كذا في النسخ، ولعل الصواب: ما وجدنا، أو: متى وجدنا.¥ إلى ذلك سبيلًا- أعجبُ إلىَّ مِن إخراجِها عن أصلِها ومعناها المعروفِ لها.
قال: وأمّا الرفعُ في قولِه: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. فمِن وجهينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ عطفًا على معنى الكافِ التي في قوله: {كَالْحِجَارَةِ}. لأن معناها الرفعُ؛ وذلك أن معناها معنى "مِثْل": فهى مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ مرفوعًا على معنى تكريرِ "هى" عليه، فيكونَ تأويلُ ذلك: فهى كالحجارةِ أو هي أشدُّ قسوةً مِن الحجارةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ}.
يعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ}: وإن
مِن الحجارةِ لحجارةً ¬في م: "حجارة".¥ يتَفجَّرُ منها الماءُ الذي تكونُ منه الأنهارُ. فاسْتُغْنى [بذكْرِ الأنهارِ عن ذكْرِ الماءِ] ¬في م، ت 1، ت 3: "بذكر الماء عن ذكر الأنهار".¥، وإنما ذُكِّر فقيل: {مِنْهُ} للفظِ "ما".
والتفجُّرُ التفعُّلُ مِن: تفجَّر ¬في النسخ: "فجر". والمثبت هو الصواب.¥ الماءُ، وذلك إذا تنزَّل خارجًا مِن منبعِه، وكلُّ سائلٍ شخَص خارجًا من موضِعِه ومكانِه فقد انفجَر، ماءً كان ذلك أو دمًا أو صديدًا أو غيرَ ذلك، ومنه قولُ عُمرَ بنِ لَجَأٍ ¬البيت في طبقات فحول الشعراء 1/ 432، والأغاني 8/ 72.¥:
وَلمَّا أنْ قُرِنْتُ ¬في النسخ: "قربت". والمثبت من مصدري التخريج.¥ إلى جَرِيرٍ ... أَبَى ذُو بَطْنِهِ [إلَّا انْفِجارَا] ¬في مصدري التخريج: "إلا انحدارا".¥
يعنى: إلَّا خُروجًا وسَيَلانًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ}.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: وإن مِن الحجارةِ لَحِجارةً تَشَّقَّقُ. وتَشَقُّقُها تَصَدُّعُها، وإنما هى: لَما يَتَشَقَّقُ، ولكنَّ التاءَ أُدْغِمَتْ في الشِّين فصارتْ شِينًا مُشَدَّدةً.
وقولُه: {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ}. [يقولُ: فيخرُجُ منه الماءُ] ¬سقط من: م، ت 3.¥ فيكونُ عينًا نابعةً [وأنهارًا] ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "لا أنهارًا".¥ جاريةً.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}.
قال أبو جعفرٍ: يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن مِن الحجارةِ لَمَا ¬في ت 1، ت 2، ت 3: الحجارة".¥ يَهْبِطُ -أي: يَتَرَدَّى- مِن رأسِ الجبلِ إلى الأرضِ والسَّفْحِ مِن خوفِ اللهِ وخشيتِه. وقد دلَّلْنا على معنى الهبوطِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 571.¥.
وأُدْخِلَتْ هذه اللَّاماتُ اللواتى في "ما" توكيدًا للخَبرِ.
وإنما وصَف اللهُ تعالى ذكرُه الحجارةَ بما وصفَها به -مِن أن منها ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ المتفجِّرَ منه ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "منها".¥ الأنهارُ، وأن منها المتشقِّقَ بالماءِ، وأن منها الهابطَ مِن خشيةِ اللهِ، بعدَ الذي جعَل منها لقلوبِ الذين أَخبَر عن قسوةِ قلوبهم مِن بني إسرائيل مَثَلًا- معذرةً منه جلَّ ثناؤه لها دونَ الذين أخبَر عن قسوةِ قلوبهم من بني إسرائيل؛ إذ كانوا بالصفةِ التي وصفَهم اللهُ بها من التكذيبِ برُسُلِه والجُحودِ لآياتِه بعد الذي أراهم من الآياتِ والعِبَرِ، وعايَنوا مِن عجائبِ الأدلةِ والحُجَجِ، مع ما أعطاهم تعالى ذكرُه مِن صحةِ العقولِ، ومَنَّ به عليهم من سلامةِ النفوسِ التي لم يُعْطِها الحَجَرَ والمَدَرَ، ثم هو مع ذلك منه ما يَتفجَّرُ بالأنهارِ، ومنه ما يتَشَقَّقُ بالماءِ، ومنه ما يَهبِطُ مِن خشيةِ اللهِ، فأخبَر تعالى ذِكْرُه أن مِن الحجارةِ ما هو أَلْيَنُ من قلوبِهم لِمَا ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "عما".¥ يُدْعَوْن إليه مِن الحقِّ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ¬سيرة ابن هشام 1/ 536، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى المصنف وابن إسحاق وابن أبي حاتم. وهو عند ابن أب
ي حاتم 1/ 147 (765) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وينظر تفسير ابن كثير 1/ 162.¥.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}. قال: كلُّ حجَرٍ يتفجَّرُ منه الماءُ، أو يَتَشَقَّقُ عن ماءٍ، أو يَتَرَدَّى مِن رأسِ جبَلٍ، فهو مِن خشيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، نزَل بذلك القرآنُ ¬تفسير مجاهد ص 207، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 147 (764)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. ثم عذَر الحجارةَ ولم يَعْذِرْ شَقىَّ ابنِ آدمَ، فقال: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} ¬تقدم أوله في ص 130.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثم عذَر اللهُ الحجارةَ فقال: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} ¬تقدم أوله منه في ص 129.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ أنه قال فيها: كلُّ حجرٍ انفجَر منه ماءٌ، أو تشقَّقَ عن ماءٍ، أو تردَّى من جبلٍ، فمن خشيةِ الله، نزَل به القرآنُ.
ثم اختَلف أهلُ النحوِ في معنى هُبُوطِ ما هبَط مِن الحجارةِ مِن خَشيةِ اللهِ.
فقال بعضُهم: إن هبوطَ ما هبَط منها من خشيةِ اللهِ: تَفَيُّؤُ ظلالِه ¬يشير إلى الآية 48 من سورة النحل 48.¥.
وقال آخَرون: ذلك الجبلُ الذي صار دكًّا إذ تجلَّى له ربُّه ¬يعنى الآية 143 من سورة الأعراف.¥.
وقال بعضُهم: ذلك كان منه، ويكونُ بأن اللهَ جلَّ ذكرُه أعطَى بعضَ الحجارةِ المعرِفةَ والفَهمَ، فعقَل طاعةَ اللهِ فأطاعه، كالذي رُوِى عن الجِذْعِ الذي كان يَسْتَنِدُ إليه رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا خطَب، فلمَّا تحوَّل عنه حَنَّ ¬أخرجه أحمد 22/ 117، 187 (14206، 14282)، والبخاريّ (3584) من حديث جابر. وينظر البداية والنهاية 8/ 679.¥. وكالذي رُوِى عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهلِيَّةِ، إنِّى لَأَعْرِفُهُ الآنَ" ¬أخرجه الطيالسيّ (818)، وأحمد 5/ 89 (الميمنية)، ومسلم (2277) من حديث جابر بن سمرة. وينظر البداية والنهاية 8/ 694.¥.
وقال آخَرون: بل قولُه: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}. كقولِه: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77]. ولا إرادةَ له. قالوا: وإنما أُرِيدَ بذلك أنه مِن عِظَمِ أمْرِ اللهِ يُرَى كأنه هابطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خشيةِ اللهِ، كما قال زيدُ الخَيْلِ ¬تقدم البيت في 1/ 715.¥:
بِجَمْعٍ تضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ ... ترَىَ الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا للحَوَافِرِ
وكما قال سُوَيْدُ بنُ أبى كاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا له يُرِيدُ أنه ذَلِيلٌ ¬البيت في المفضليات ص 201، والأضداد لابن الأنبارى ص 295.¥:
ساجِدَ المَنْخَرِ إذْ يَرْفَعُهُ ... خاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ ¬في ت 2، ت 3: "أذل".¥ المُسْتَمَعْ
وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ ¬تقدم البيت في 1/ 623، والرواية هناك: "خبر الزبير تواضعت". وكذا في الديوان.¥:
لَمَّا أتى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ ... سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُشَّعُ
وقال آخَرون: معنى قولِه: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}. أي: يُوجبُ الخشيةَ لغيرِه بدلالتِه على صانعِه، كما قيل: ناقةٌ تاجرةٌ: إذا كانت مِن نَجابتِها وفراهتِها تدعو الناسَ إلى الرغبةِ فيها، كما قال جريرُ بنُ عطيةَ ¬تقدم البيت في 1/ 332.¥:
وأَعوَرَ مِن نَبْهانَ أمّا نَهارُه ... فأعْمَى وأمّا لَيْلُه فبَصِيرُ
فجعَل الصفةَ لليلِ والنهارِ، وهو يُرِيدُ بذلك صاحبَه النَّبْهانىَّ الذي يَهْجُوه مِن أجْلِ أنه فيهما كان ما وصَفه به.
وهذه الأقوالُ وإن كانت غيرَ بعيداتِ المعنى ممَّا تَحْتَمِلُه الآيةُ من التأويلِ، فإن تأويلَ أهلِ التأويلِ مِن علماءِ سلَفِ الأمةِ بخلافِها، فلذلك لم نَسْتَجِزْ صرْفَ تأويلِ الآيةِ إلى معنًى منها.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على معنى الخشيةِ، وأَنها الرهبةُ والمخافةُ، فكرِهْنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ ¬تقدم البيت في 1/ 598.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}.
يعنى بقولِه: {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: وما اللهُ بغافلٍ -يا معشرَ المكذِّبينَ بآياتِه، والجاحدينَ نبوّةَ رسولِه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والمتقوِّلِين عليه الأباطيلَ من بني إسرائيل وأحبارِ اليهودِ- عما تعمَلون من أعمالِكم الخبيثةِ، وأفعالِكم الرديئةِ، ولكنه يُحصِيها عليكم، فيجازِيكم بها في الآخرةِ أو يعاقِبُكم بها في الدنيا.
وأصلُ الغَفْلةِ عن الشيء تَرْكُه على وجهِ السهوِ عنه والنسيانِ له. فأخبَرهم تعالى ذكرُه أنه غيرُ غافلٍ عن أفعالِهم الخبيثةِ ولا ساهٍ عنها، بل هو لها مُحْصٍ، ولها حافظٌ.