تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}.يقولُ تعالى ذكرُه لأصحابِ نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: لا تَجْعَلُوا أَيُّها المؤمنون {دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}.واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نَهَى اللهُ بهذه الآيةِ المؤمنين أن يَتعرَّضوا لدعاءِ الرسولِ عليهم، وقال ¬في ت 2: "يقول".¥ لهم ¬في ت 1، ت 2: "له".¥: اتَّقوا دعاءَه [عليكم، بأن تفعَلوا ما يُسْخِطُه، فيَدعُوَ لذلك ¬في ت 1: "بذلك".¥ عليكم فتَهْلِكوا، فلا تجعَلوا دعاءَه كدعاءِ غيرِه مِن الناسِ؛ فإن دعاءَه] ¬سقط من: ت 2.¥ موجِبةٌ.ذكرُ مَن قال ذلكحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}: دعوةُ الرسولِ عليكم مُوجِبةٌ، فاحْذَروها ¬أخرجه ابن
أبي حاتم في تفسيره 8/ 2655 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 61 إلى ابن مردويه.¥.وقال آخرون: بل ذلك نَهْىٌ مِن اللهِ أن يَدْعُوا رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِغَلَظٍ ¬في ت 2: "بما يغلظ".¥ وجَفاءٍ، وأمَرهم أن يَدْعُوه بلِينٍ وتواضعٍ.ذكرُ مَن قال ذلكحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}. قال: أمَرهم أن يَدْعوا: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ، ولا يقولوا: يا محمدُ. في تَجهُّمٍ ¬تفسير مجاهد ص 495 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2655، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 61 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}.قال: أمَرهم أن يَدْعوه: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ.حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُ
ولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}. قال: أمَرهم أن يُفَحِّموه ويُشَرِّفوه ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 66، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2655 من طريق سعيد، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر 5/ 61 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.وأولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ عندى التأويلُ الذي قاله ابن عباسٍ؛ وذلك أن الذي قبلَ قولِه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} - نَهْيٌ مِن اللهِ المؤمنين أن يأتُوا مِن الانصرافِ عنه، في الأمرِ الذي يجمعُجميعَهم، ما يكرَهُه، والذي بعدَه وعيدٌ للمُنصرفِين [عنه بغيرِ إذْنِه] ¬في م: "بغير إذنه عنه".¥، فالذي بينَهما بأن يكونَ تحذيرًا لهم سُخْطَه، أن يَضْطرَّه إلى الدعاءِ عليهم، أشبهُ مِن أن يكونَ أمرًا لهم بما لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ من تَعْظيمِه وتوقيرِه بالقولِ والدعاءِ.وقولُه: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا}. يقولُ تعالى ذكرُه: إنكم أيُّها المُنصرِفون عن نبيِّكم بغيرِ إِذْنِهِ، تَسَتُّرًا ¬في ص، ت 2: "يسيرا"، وفي ت 1: "سرا".¥ وخُفْيَةً منه، وإن خَفِي أمرُ مَن يفعلُ ذلك منكم على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم
-، فإن الله يعلمُ ذلك ولا يخفَى عليه، فليَتَّقِ ¬بعده في ت 1: "الله".¥ مَن يفعلُ ذلك منكم، الذين يُخالفِون أمرَ اللهِ في الانْصرافِ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلا بإذْنِه - أن تُصِيبَهم فتنةٌ مِن اللهِ، أو يُصِيبَهم عذابٌ أَلِيمٌ، فيُطْبَعَ على قلوبِهم، فيكفَّروا باللهِ.وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.ذكرُ مَن قال ذلكحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن ¬سقط من: ت 2.¥ جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا}. قال: [كانوا يَستتِرُ] ¬في ت 2: "كان يسر".¥ بعضُهم ببعضٍ، فيقومون، فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ}. قال: يُطبَعُ على قلبِه، فلا يُؤْمَنُ ¬في م، ت 1: "يأمن".¥ أن يُظهِرَ الكفرَ بلسانِه، فتُضْرَبَ ¬في ت 1، ت 2، ف: "فيضرب".¥ عُنُقُه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 62 إلى أبى الشيخ.¥.حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولِه: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا}. قا
ل: خِلافًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2656 من طريق حجاج به، وهو في تفسير مجاهد ص 495 من قول مجاهد.¥.حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا}. قال: هؤلاء المُنافقون الذين يرجِعون بغيرِ إذنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال: اللِّواذُ: يلوذُ عنه ويروغُ ويذهبُ بغيرِ إذنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ}: الذين يصنَعون هذا، {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. الفتنةُ هاهنا الكفرُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2657 من طريق أصبغ، عن ابن زيد، دون آخره، فقد ذكره معلقا.¥.واللِّواذُ مصدرُ: لَاوَذْتُ بفلانٍ مُلَاوَذةٌ ولِوَاذًا. ولذلك ظهَرت الواوُ. ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لقيل: لِيَاذًا ¬في ت 1، ت 2: "لذاذا".¥. كما يقالُ: قُمْتُ قِيامًا. وإذا قيل: قَاوَمْتُك. قيل: قِوامًا طويلًا.واللِّوَاذُ هو أن يلوذَ القومُ بعضُهم ببعضٍ؛ يستترُ هذا بهذا، وهذا بهذا، كما قال الضحاكُ.وقولُه: {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يقولُ: أو يصيبَهم في عاج
لِ الدنيا عذابٌ مِن اللهِ موجِعٌ، على صنيعِهم ¬في ص، ت 1، ت 2: "صنيعه".¥ ذلك، وخلافِهم ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "خلافه".¥ أمرَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.وقولُه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ}. وأُدخلت {عَنْ} لأن معنى الكلامِ: فليَحْذَرِ الذين يَلوذُون ¬في ت 2: "يولون".¥ عن أمرِه، ويُدْبِرون عنه مُعرضِين.