تفسير هذه الآية

السورة 28 : الآية 29

السورة 28 : الآية 29

فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما وفَّى موسى صاحبَه الأجلَ الذي فارَقه عليه عندَ إنكاحِه إياه ابنته. وذُكِر أن الذي وفَّاه من الأجلين أتمُّهما وأكملُهما، وذلك العَشْرُ الحِجَج، على أن بعضَ أهلِ العلمِ قد رُوِى عنه أنه قال: زاد مع العشرِ عَشْرًا أُخرى.
ذكرُ مَن قال: الذي قضَى من ذلك هو الحِجَجُ العَشْرُ
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟
قال: خيرَهما وأوفاهما ¬تفسير سفيان ص 233، ومن طريقه ابن أبي شيبة 11/ 533، وأخرجه البخاري (2684)، والبيهقى 6/ 117 من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 126 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.¥
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، سُئل: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قال: أتَمَّهما وأخْيَرَهما.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: ثنا موسى بنُ عُبَيدةَ، عن أخيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قضَى موسى آخِرَ ¬في ت 1: "أخير".¥ الأجلين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ ¬في م: "عبيدة".¥، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، سُئل ابن عباسٍ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قال: أتمَّهما وأوفاهما ¬أخرجه أبو يعلى (2408) من طريق سفيان بن عيينة مرفوعا. وسيأتي قريبا مرفوعا أيضا.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن حكيمِ بن جُبَيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال يهوديٌّ بالكوفةِ وأنا أَتَجَهَّز للحجِّ: إنى أَراك رجلًا يَتَّبِعُ ¬في م: "تتتبع".¥ العِلمَ؛ أخْبِرْنِى أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قلتُ: لا أعلمُ، وأنا الآنَ قادمٌ على حَبْرِ العرب - يعنى ابنَ عباسٍ - فسائلُه عن ذلك. فلما قدِمتُ مكةَ سألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، وأخبَرتُه بقولِ اليهوديِّ، فقال ابن عباسٍ: قضَى أكثرَهما وأطيبَهما؛ إن النبيَّ إذا وعَد لم يُخلِف. قال سعيدٌ: فقَدِمتُ العراقَ، فلَقِيتُ اليهوديَّ فأخبَرتُه، فقال: صدَق - وما أَنزَل على موسى - هذا. واللهُ العالم ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 399.¥.
[حدَّثنا ابن وكيعٍ] ¬سقط من النسخ. وتقدم في ص 225.¥، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سألنى رجلٌ من أهلِ النصرانيةِ: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ قلتُ: لا أعلم، وأنا يومئذٍ لا أعلم، فَلَقِيتُ ابنَ عباسٍ، فذكرتُ له الذي سألني عنه النصرانيُّ، فقال: أما كنتَ تَعْلَمُ أن ثمانيًا واجبٌ عليه، لم يكنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ ¬في م، ت 2: "نقص".¥ منها شيئًا؟ وتعلمُ أن الله كان قاضيًا عن موسى عِدَتَه التي وعَدَه؟ فإنه قضَى عَشْرَ سنين ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 399، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2969 من طريق يزيد به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ}. قال: حدَّث ابن عباسٍ، قال: رَعَى عليه نبيُّ اللهِ أكثرَها وأطيبَها ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 90 من طريق قتادة به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي معشر، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: سُئل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أيَّ الأجلين قضَى موسى؟ فقال: "أوْفاهما وأَتَمَّهما" ¬أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 533 عن وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 27 إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا الحُمَيْديُّ أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ يحيى بن أبي يعقوبَ، عن الحكمِ بن أبانٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سألْتُ جبريلَ: أَي الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسى؟ قال: أتَمَّهُما وأكمَلَهُما" ¬أخرجه الحميدى (535) - ومن طريقه المصنف في تاريخه 1/ 399، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2970، والبيهقى 6/ 117 - وأخرجه الحاكم 2/ 407، من طريق سفيان به. وأخرجه البزار (2245 - كشف) من طريق سفيان، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريلَ: "أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: سوف أسألُ إسرافيلَ. فسَألَه، فقال: سوف أسألُ الله تبارَك وتعالى. فسَأله، فقال: أبرَّهما وأوفاهُما" ¬أخرجه سنيد - الحسين - في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 6/ 241.¥.
ذكرُ مَن قال: قضَى العَشْرَ الحِجَجِ وزاد على العَشْرِ عَشْرًا أخرى
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ}. قال: عَشر سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى ¬تفسير مجاهد ص 528، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2971، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 127 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: قضَى الأجلَ عشرَ سنين، ثم مكَث بعد ذلك عَشْرًا أُخرى.
حدَّثنا ابن ¬سقط من: م.¥ المثنى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسٌ، قال: لمَّا دعا نبيُّ اللهِ موسى صاحبَه إلى الأجلِ الذي كان بينَهما، قال له صاحبه: كلُّ شاةٍ ولَدت على غيرَ لونها، فلك ولدُها. فعمَد، فرفَع خيالًا على الماءِ، فلما رأت الخيالَ فزِعَت، فجالت جَوْلةً، فولَدْن كلُّهنَّ بُلقًا، إلا شاةً واحدةً، فذهَب بأولادِهِنَّ ذلك العامَ ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخه 61/ 40 من طريق معاذ بن هشام به.¥.
وقولُه: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا}. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما قضَى موسى الأجلَ وسار بأهلِه شاخِصًا بهم إلى منزلِه من مصرَ، {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّور}. يعنى بقوله: {آنَسَ}: أبْصَر وأحَسَّ، كما قال العَجَّاجُ ¬ديوانه ص 28، 29. وجاء فيه البيت الأول تاليا للبيت الثاني، ورقم الأول (76)، والثاني (74). وليس فيه محل للشاهد، فجاء فيه "أبصر" بدل "آنس"، ورواية المصنف هي رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن 2/ 102.¥:
آنَسَ خِرْبانَ ¬الخربان: الحباريات الذكور، واحد الخربان خرب، وهو ذكر الحبارى. الديوان ص 29.¥ فضاءٍ فانكَدَرْ ... دانَى جَناحَيْه من الطُّورِ فمَرّ
وبنحوِ الذي قلُنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ ¬ينظر ما تقدم في 16/ 18 - 20، وص 8.¥، غيرَ أنا نذكُرُ ههنا بعضَ ما لم نذكرْ قبلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا}. أيَّ: أَحْسَسْتُ نارًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2842، 2971 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 127 إلى عبد بن حميد.¥.
وقد بيَّنا معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهدِه وما فيه من الروايةِ عن أهلِ التأويلِ ¬ينظر ما تقدم في 2/ 48 - 51.¥.
وقولُه: {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا}. يقولُ: قال موسى لأهلِه: تَمَهَّلوا وانتَظِروا، إنى أبصَرتُ نارًا، {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا}. يعنى: من النارِ، {بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}. يقولُ: أو أتِيكم بقطعةٍ غليظةٍ من الحطبِ فيها النارُ. وهى مِثلُ الجِذْمةِ من أصلِ الشجرةِ. ومنه قولُ ابن مقبلٍ ¬ديوانه ص 91.¥:
باتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْن لها ... جَزْلَ الجِذَا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرِ ¬الجزل: الحطب اليابس، والجذاء: أصول الشجر، واحدتها جذاة. والدعر: البالي من الحطب. اللسان (ج ز ل، ج ذو، د ع ر).¥
وفى "الجذْوةِ" لغاتٌ للعربِ ثلاثٌ؛ جِذوةٌ بكسرِ الجيمِ، وبها قرَأت قَرَأَةُ الحجازِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ، وهى أشهرُ اللغات الثلاثِ فيها، وجَذْوةٌ بفتحِ الجيمِ، وبها قرَأ أيضًا بعضُ قَرَأةِ الكوفةِ، [وجُذوةٌ بضمِّ الجيمٍ] ¬سقط من: ص، م، ت 2. وقد قرأ بالضم حمزة وخلف، وقرأ عاصم بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر النشر 2/ 256.¥، وهذه اللغاتُ الثلاثُ وإن كُنَّ مشهوراتٍ في كلامِ العربِ، فالقراءةُ بأشهرِها أعجبُ إليَّ، وإن لم أُنكِر قراءةَ مَن قرَأ بغيرِ الأشهرِ منهن.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى "الجذوةِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}. يقولُ: شهابٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2972 من طريق أبي صالح به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {أَوْ جَذْوَةٍ}: والجَذوةُ أصلُ شجرةٍ فيها نارٌ.
حدَّثنا القاسمُ قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ قولَه: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}. قال: أصلُ الشجرةِ في طَرَفِها النارُ، فذلك قولُه: {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}. قال: السَّعَفُ فيه النارُ. قال مَعْمرٌ: وقال غيرُ ¬سقط من: م. وهو الكلبى، كما في تفسير عبد الرزاق.¥ قتادةَ: {أَوْ جَذْوَةٍ}: أو شُعْلةٍ من النارِ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 90، 91 عن معمر به. عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 127 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم مقتصرا على أوله.¥
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}. قال: أصلُ شجرةٍ ¬تفسير مجاهد ص 528. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2972. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}. قال: أصلُ شجرةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ}. قال: الجَذوةُ العودُ منِ الحطبِ الذي فيه النارُ، ذلك الجذوةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2973 من طريق أصبغ عن ابن زيد.¥.
وقولُه: {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}. يقولُ: لعلكم تَتَسَخَّنون ¬في م، ت 2: "تسخنون".¥ بها من البَردِ. وكان في شتاءٍ.

تفاسير بلغات أخرى · 6