تفسير هذه الآية

السورة 28 : الآية 57

السورة 28 : الآية 57

وَقَالُوٓا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقالت كفارُ قريشٍ: إن نَتَّبِعِ الحقَّ الذي جِئْتَنا به معك، ونَتَبَرَّأْ من الأندادِ والآلهةِ، يَتَخَطَّفْنا الناسُ مِن أرضنا، بإجماع جميعهم على خِلافِنا وحربِنا. يقولُ اللهُ لنبيِّه: فقُلْ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا}؟ يقولُ: أولم نُوَطِّئْ ¬وطَّأه: هَيَّأه. تاج العروس (وط أ).¥ لهم بلدًا حَرَّمنا على الناسِ سفكَ الدماءِ فيه، ومَنَعْناهم مِن أَن يَتَناولوا سُكَّانَه فيه بسوءٍ، وأمْنًا على أهلِه من أن يُصيبهم بها غارةٌ، أو قتلٌ، أو سباءٌ؟
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبد اللهُ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أن الحارثَ بنَ نَوْفَلٍ، الذي قال: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}. وزعموا أنهم قالوا: قد عَلِمْنا أنك رسولُ اللهِ ولكِنَّا نَخافُ أن نُتَخَطَّفَ مِن أرضِنا. {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ} الآيةَ ¬أخرجه النسائي في الكبرى (11385) من طريق حجاج عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بِن شعيب عن ابن عباس، ولم يسمعه منه، أن الحارث بن نوفل الذي قال ... إلى قوله تعالى: {مِنْ أَرْضِنَا}، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 134 إلى ابن المنذر، وذكره القرطبي في تفسيره 13/ 300 بنحوه.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}. قال: هم أُناسٌ مِن قريشٍ قالوا لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: إن نَتَّبِعْكَ يَتَخَطَّفْنا الناسُ. فقال اللهُ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} ¬أخرجه أبى حاتم في تفسيره 9/ 2995 عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67]. قال: كان يُغير بعضُهم على بعضٍ ¬أخرجه أبى حاتم في تفسيره 9/ 2995 من طريق أصبغ عن ابن زيد.¥.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قوله: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا}. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}: قال اللهُ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}. يقولُ: أولم يَكونوا آمِنِين في حَرَمِهِم؟ لا يُغْزَوْن فيه ولا يَخافون، يُجْبَى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2995 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 134 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا}. قال: كان أهلُ الحرمِ آمِنين يَذْهبون حيثُ شاءُوا، وإذا خرَج أحدُهم فقال: إنى مِن أهلِ الحرمِ. لم يُعْرَضُ ¬في م: "يتعرض".¥ له، وكان غيرُهم مِن الناسِ إذا خرَج أحدُهم قُتِل ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 92 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2996 - عن معمر به، وزاد في آخره: أو سلب.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا}. قال: آمَنَّاكم به. قال: هي مكةُ، وهم قُريشٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2995 من طريق أصبغ عن ابن زيد.¥.
وقولُه: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}. يقولُ: يُجْمَعُ إليه. وهو مِن قولِهم: جَبَيْتُ الماءَ في الحوضِ. إذا جَمَعْتَه فيه. وإنما أُرِيدَ بذلك: يُحْمَلُ إليه ثمراتُ كلِّ بلدٍ.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن شَرِيكٍ، عن عثمانَ بن أبى زُرْعَةَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}. قال: ثمراتُ الأرضِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2996 من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 134 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وقولُه: {رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا}. يقولُ: ورزقًا رَزَقْنَاهُم مِن لَدُنَّا. يعنى: مِن عِندِنا، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين، القائِلِين لرسولِ اللهُ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}. لا يَعْلَمون أنَّا نحن الذين مَكَّنَّا لهم حرمًا آمنًا، ورَزَقْناهم فيه، وجَعَلْنَا الثمراتِ مِن كلِّ أرضٍ تُجْبَى إليهم، فهم بجهلهم بمَن فعل ذلك بهم يَكْفُرون، لا يَشْكرون مَن أنْعَم عليهم بذلك.

تفاسير بلغات أخرى · 6