تفسير هذه الآية

السورة 28 : الآية 56

السورة 28 : الآية 56

إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القول في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّكَ} يا محمدُ {لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} هدايتَه، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أَن يَهْدِيَهِ مِن خَلْقِه، بتوفيقِه للإيمانِ بالله وبرسوله. ولو قِيل: معناه: إنك لا تَهْدِى مَن أحببته؛ لقَرَابَتِه منك، ولكنَّ الله يهدى مَن يشاءُ - كان مَذْهَبًا، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ أعلمُ مَن سَبَق له في علمِه أنه يَهْتَدى للرَّشادِ، ذلك الذي يَهْدِيه اللهُ فيُسَدِّدُه ويُوَفِّقُه.
وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلتْ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن أجْلِ امتناعِ أبي طالبٍ عمِّه مِن إجابته إذ دَعاه إلى الإيمانِ باللهِ، إلى ما دعاه إليه مِن ذلك.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ والحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قالا: ثنا الوليدُ بنُ القاسمِ، عن يزيدَ بن كَيْسانَ، عن أبي حازم، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لعمِّه عند الموتِ: "قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ القِيامةٍ". قال: لولا أن تُعَيِّرَني قُريشٌ لأقْرَرْتُ عينَك. فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} الآيةَ ¬أخرجه مسلم (25/ 41)، وابن حبان (6270)، وابن منده في الإيمان (39)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 66/ 332، من طريق يزيد بن كيسان به.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يزيد بن كَيْسان، قال: ثني أبو حازمٍ الأشْجَعيُّ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لعمِّه: "قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ". ثم ذكَر مثلَه ¬أخرجه الترمذى (3188)، والبيهقى في الدلائل 2/ 344، من طريق ابن بشار به. وأخرجه أحمد 15/ 374 (9610)، ومسلم (42/ 25)، وابن منده (38)، والواحدى في أسباب الزول ص 255 من طريق يحيى بن سعيد به.¥.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامة، عن يزيدَ بن كيسانَ، سمِع أبا حازمٍ الأشْجَعيَّ يَذْكُرُ عن أبي هريرة، قال: لمَّا حَضَرْت وفاة أبي طالبٍ، أتاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا عَمَّاهُ، قلْ: لا إلهَ إلا الله". فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: لولا أن تُعَيِّرنى قريشٌ؛ يقولون: ما حمَله عليه إلا جَزَعُ الموتِ ¬أخرجه البيهقى في الدلائل 2/ 344، 345 مِن طريق أبي أسامة به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يزيدَ بن كيسانَ، عن أبي حازمٍ أبي هُريرةَ، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ والصُّدائيِّ ¬أخرجه إسحاق بن راهويه (208)، وأحمد 15/ 431 (9689)، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2994 من طريق محمد بن عبيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 133 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: ثني يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: ثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجَد عندَه أبا جهلِ بنَ هشامٍ وعبدَ اللهِ بنَ أبي أُمَيَّةَ بن المُغيرةِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ. كلمةً أشْهَدُ لك بها عندَ اللهِ". فقال أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبى أُميةَ: يا أبا طالبٍ، أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلب؟ فلم يَزَلْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُها عليه. ويُعيدُ له تلك المقالةَ، حتى قال أبو طالبٍ آخِرَ ما كَلَّمهم: هو على ملِة عبدِ المطلبِ. وأبَى أن يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أما والله، لأسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أَنْهَ عنك". فأنْزَل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113]. وأَنْزَل الله في أبي طالبٍ، فقال لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}
الآية ¬تقدم تخريجه في 12/ 20، 21.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ، عن أبيه بنحوِه ¬تقدم تخريجه في 12/ 20.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو، عن أبي سعيدِ بن رافعٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ ¬في ت 2: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال 15/ 332، 338، 33/ 347.¥: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}؛ نَزَلَتْ في أبي طالبٍ؟ قال: نعم ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 66/ 333 من طريق ابن عيينة به، وأخرجه النسائي في الكبرى (11384) مِن طريق عمرو به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 133، 134 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبى داود في القدر وابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}. قال: قولُ محمدٍ لأبي طالبٍ: "قُلْ كلمةَ الإخلاصِ، أُجادِلُ عنك بها يومَ القيامةِ". قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: قال يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ. أو: سُنَّةَ الأشياخ. وقال الحارثُ في حديثِه: قال: يابنَ أخي، مِلَّةَ الأشياخِ ¬تفسير مجاهد ص 530 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3994، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 134 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}. قال: قال محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالبٍ: اشْهَدْ بكلمةِ الإخلاصِ، أُجادِلْ عنك بها يومَ القيامةِ". قال: أي بنَ أخى، ملةَ الأشياخِ. فأَنْزَل اللهُ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}. قال: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أبي طالبٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}: ذُكِر لنا أنها نَزَلتُ في أبي طالبٍ. قال: ألاصَه ¬في م: "الأصم". وألاصه: أداره عليها، ورواده عليها. النهاية 4/ 276.¥ عندَ موتِه يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. لكيما تَحِلَّ له بها الشفاعةُ، فأبَى عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2994 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 134 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ: لمَّا حضَر أبا طالبٍ الموتُ، قال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "يا عَمَّاهُ، قُلْ: لا إله إلا اللهُ. أَشْهَدُ لك بها يومَ القيامةِ". فقال له: يابنَ أخى، إنه لولا أن يكونَ عليك عارٌ، لم أَبالِ أن أفْعَلَ. فقال له ذلك مرارًا، فلمَّا مات اشتدَّ ذلك على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: ما تَنْفَعُ قرابةُ أبي طالبٍ منك. فقال: "بلى والذي نَفْسي بيده، إنه الساعةَ لفي ضَحْضَاحٍ ¬الضحضاح في الأصل: ما رَقَّ من الماء على وجه الأرضِ ما يبلغ الكعبين. فاستعاره للنار. النهاية 3/ 75.¥ مِن النارِ، عليه نَعْلان من نارٍ، تَغْلى منهما أُمُّ رأسِه، وما مِن أهلِ النارِ مِن إنسانٍ هو أَهْوَنُ عذابًا منه". وهو الذي أنْزَل الله فيه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ¬أخرجه هناد في الزهد (306) من طريق عطاء به نحوه.¥.
وقوله: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. يقولُ: وهو أعلمُ بمَنْ قُضِى له الهدى.
كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. قال: بَمَنْ قَدَّر له الهُدَى والضَّلالَة ¬تفسير مجاهد ص 530، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2995، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 134 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

تفاسير بلغات أخرى · 6