تفسير هذه الآية

السورة 28 : الآية 85

السورة 28 : الآية 85

إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ

تفسير ابن كثير

{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85)}

يقول تعالى آمرًا رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبرًا له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} أي: افترض عليك أداءه إلى الناس {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} أي: إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف]، وقال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109]، وقال: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69].

وقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} يقول لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي.

وقال أبو سعيد ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن أبا صالح وهو باذام أو باذان: ضعيف، والسدي لم يسمع من أبي سعيد وهو الخدري وقد صرح ابن أبي حاتم بأنه الخدري.¥ مثلها.

وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} قال: إلي يوم القيامة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وحفص ضعيف كما في التقريب.¥، ورواه مالك عن الزهري ¬أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن والزهري.¥.

وقال الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} إلى الموت ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن الأعمش به، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده لا بأس به (فتح الباري 8/ 510).¥، ولهذا طرق عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وفي بعضها لرادُّك إلى معدنك من الجنة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه خُصيف وهو صدوق سيء الحفظ.¥.

وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥، وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح ¬قول أبي مالك وأبي صالح والحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.¥.

وقال الحسن البصري: إي والله إن له لمعادًا فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن قتادة عن الحسن البصري.¥. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري، عن عكرمة، عن ابن عباس {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} قال: إلى مكة ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة القصص باب {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} [القصص: 85] الآية ح 4773).¥، وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه ¬السنن الكبرى، التفسير (ح 11386)، وسنده صحيح.¥، وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به، وهكذا رواه العوفي، عن ابن عباس {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} أي: لرادك إلى مكة كما أخرجك منها ¬أخرجه الطبري من الطريقين والأول يقوي الثاني وهو طريق عطية العوفي.¥.

وقال محمد بن إسحاق، عن مجاهد في قوله: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} إلى مولدك بمكة ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق لم يسمع من مجاهد، ولم يصرح بالسماع منه، ويتقوى بما سبق.¥.

وقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجراز وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، ويشهد لهم ما تقدم في الصحيح.¥.

وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} إلى مكة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه معضل.¥. وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيًا، والله أعلم.

وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة ولكن ابن عباس صرح بتفسيرها إنه إلى مكة كما تقدم في الرواية السابقة في صحيح البخاري، فلعل قتادة لم يبلغه تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما-.¥.

وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} قال: إلى بيت المقدس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حُريز بن عثمان عن نعيم القارئ.¥، وهذا -والله أعلم- يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر والله الموفق للصواب.

ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما فسر ابن عباس سورة {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} [النصر]، أنه أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نُعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، و وافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم ¬سيأتي تخريجه في تفسير سورة النصر.¥، ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق.

وقوله تعالى: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي: قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.

تفاسير بلغات أخرى · 6