تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85)}.
يقولُ تعالى ذكره: إِنَّ الذى أنزَل ¬في ت 2: "فرض".¥ عليك يا محمدُ القرآنَ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ}. قال: الذي أعْطاك القرآنَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ}. قال: الذى أعْطاكَه ¬تفسير مجاهد ص 532 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3025.¥.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}؛ فقال بعضُهم: معناه: لَمُصَيِّرُك إلى الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عتابُ بنُ بشيرٍ ¬فى م: "بشر". ينظر تهذيب الكمال 19/ 286.¥، عن خُصَيفٍ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: إلى مَعْدِنِكَ مِن الجنةِ ¬أخرجه الطبراني (12032)، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3026 من طريق خصيف به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 140 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الجنةِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن إبراهيمَ بنِ حيانَ ¬في م، ت 2: "حبان". وينظر التاريخ الكبير 1/ 280.¥، سمِعتُ أبا جعفرٍ، يحدِّثُ ¬في م: "عن ابن عباس".¥ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: معادُه آخرتُه، الجنةُ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 392 عن وكيع به، وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير 1/ 280 من طريق إبراهيم بن حيان به، وأخرجه أبو يعلى (1131) من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 140 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ فى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: إلى الجنةِ ليسألَك عن القرآنِ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ، قال: الجنةُ ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 140 إلى الفريابي.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: إلى الجنة.
حدَّثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السدىِّ، عن أبي مالكٍ، قال: يردُّك إلى الجنةِ، ثم يسألُك عن القرآنِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3026 معلقا.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ، قالا: إلى الجنةِ ¬ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 9/ 3026 عن مجاهد معلقا.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعطاءٍ ومجاهدٍ، وأبى قَزَعةَ، عن ¬في م: "و"، وقد تقدم هذا الإسناد في 16/ 492.¥ الحسنِ، قالوا: يومَ القيامةِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 270.¥.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: يجيءُ بك يومَ القيامةِ.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن الحسنِ والزهريِّ، قالا: معادُه يومَ القيامةِ ¬أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 94 عن معمر به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: يُحيِيك ¬فى م: "يجيء بك".¥ يومَ القيامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 9/ 3026 من طريق ورقاء به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 140 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ ¬فى م: "عون".¥، عن الحسنِ في قولِه: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: معادُك من الآخرةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، إن له لمعادًا يبعثُه اللهُ يومَ القيامةِ، ويُدخِلُه الجنةَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3026 من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 140 إلى عبد بن حميد.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: لرادُّك إلى الموتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الزبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ بن سعيدٍ الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن سعيد بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: الموتِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3025 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 140 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.
قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن أبي ¬سقط من: م.¥ سعيدٍ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: إلى الموتِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3025 معلقا.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ، قال: إلى الموتِ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: إلى الموتِ ¬في ص، ت 1، ت 2: "بن".¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: الموتِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن ¬أخرجه الطبراني (12268)، والخطيب في تاريخه 7/ 192، 193 من طريق أبي تميلة به.¥ عديِّ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إلى الموتِ، أو إلى مكةَ ¬¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لرَادُّك إلى الموضعِ الذى خرَجتَ منه، وهو مكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ، عن سفيانَ العُصْفُريِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: إلى مكةَ ¬أخرجه البخارى (4773)، والنسائي (11386)، والبيهقى فى الدلائل 2/ 520، 521 من طريق يعلى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 140 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: يقولُ: لرادُّك إلى مكةَ كما أخرَجك منها ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 6/ 270 عن العوفى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 140 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: أخبرَنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، عن مجاهدٍ، قال: مولدُه بمكةَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3026، والبيهقى فى الدلائل 2/ 521 من طريق يونس به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 140 إلى الفريابي وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يونسَ بن أبي إسحاقَ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} قال: إلى مولدِك بمكةَ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ عمرٍو، وهو ابنُ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ فى قولِه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: إلى مولدِك بمكةَ.
حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضَيلِ بنِ مرزوقٍ، عن مجاهدٍ أبى الحجاجِ في قولِه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ
الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}. قال: إلى مولدِه بمكةَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عيسى بنُ يونسَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، قال: إلى مولدِك، [إلى مكة] ¬في م: "بمكة".¥.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى قولُ مَن قال: لرادُّك إلى عادتِك مِن الموتِ، أو إلى عادتِك حيثُ وُلدتَ. وذلك أن المعادَ في هذا الموضعِ المَفْعِلُ مِن العادةِ، ليس مِن العَوْدِ، إلا أن يُوَجِّهَ مُوَجِّهٌ تأويلَ قولِه {لَرَادُّكَ}: لمُصَيِّرُك. فيتوجَّهُ حينَئذٍ قولُه: {إِلَى مَعَادٍ}. إلى معنى العَوْدِ، ويكونُ تأويلُه: إن الذى فرَض عليك القرآنَ لمُصَيِّرُك إلى أن تعودَ إلى مكةَ مفتوحةً لك.
فإن قال قائلٌ: فهذه الوجوهُ التي وصَفتَ فى ذلك قد فهِمناها، فما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّله بمعنى: لَرَادُّك إلى الجنةِ؟ قيل: ينبغى أن يكونَ وجهُ تأويلِه ذلك كذلك على هذا الوجهِ الآخرِ، وهو: لمُصَيِّرك إلى أن تعودَ إلى الجنةِ.
فإن قال قائلٌ: أوَ كان أُخرج مِن الجنةِ، فيقال له: نحن نُعِيدُك إليها؟ قيل: لذلك وجهان؛ أحدُهما، أنه إن كان أبوه آدمُ صلى اللهُ عليهما أُخرج منها، فكأن ولدَه بإخراجِ اللهِ إِيَّاه منها قد أُخرجوا منها، فمَن دخَلها فكأنما يُرَدُّ إليها بعدَ الخروجِ. والثاني، أن يقالَ: إنه كان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دخَلها ليلةَ أُسْرِى به، كما رُوى عنه أنه قال: "دخَلْتُ الجنةَ، فرأيتُ فيها قَصْرًا، فقلتُ: لمَن هذا؟ فقالوا: لعمرَ بنِ الخطابِ" ¬أخرجه أحمد 14/ 178 (8471)، والبخاري (3242، 3680، 5227، 7023، 7025) ومسلم (2395) وغيرهم من حديث أبي هريرة.
وأخرجه أحمد 19/ 103، 20/ 214، 296 (12046، 12834، 12983)، والنسائي (8127) وغيرهما من حديث أنس. وفى الباب عن جابر ومعاذ بن جبل وبريدة الأسلمى.¥ ونحوُ ذلك مِن الأخبارِ التى رُويت عنه بذلك، ثم رُدَّ إلى الأرضِ، فيقالُ له: إن الذى فرَض عليك القرآن لرادُّك؛ لمصيِّرُك إلى الموضعِ الذى خرجتَ منه مِن الجنةِ، إلى أن تعودَ إليه، فذلك إن شاء اللهُ قولُ مَن قال ذلك.
وقولُه: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ربِّي أعلمُ مَن جاء ¬بعده في ص، ت 2: "قومه".¥ بالهُدى الذي مَن سَلَكه نَجا، ومَن هو في جَوْرٍ عن قصد السبيلِ مِنَّا ومنكم.
وقولُه: {مُبِينٍ} يعنى أنه يُبِينُ للمفكرِ الفهِمِ إذا تأمَّله وتَدبَّره، أنه ضلالٌ وجَوْرٌ عن الهُدى.