{وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)}
وقوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)} هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن غير واحد: سألوا تعجيل العذاب ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الثوري عن أشعث عن الحسن.¥، زاد قتادة كما قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.¥ [الأنفال: 32].
وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ثابت الحداد عن سعيد بن جبير.¥ إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا، وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب.
وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا ¬ذكره الطبري بنحوه.¥.
وهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم.
{وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)}.
{16} أي: قال هؤلاءِ المكذِّبون من جَهْلِهِم ومعانَدَتِهِم الحقَّ مستعجلين للعذاب: {ربَّنا عَجِّلْ لنا قِطَّنا}؛ أي: قِسْطَنا وما قسم لنا من العذابِ عاجلاً {قبلَ يوم الحسابِ}: ولجُّوا في هذا القول، وزعموا أنَّك يا محمدُ إن كنتَ صادقاً؛ فعلامةُ صدقِكَ أن تأتينا بالعذاب.
<br>وقوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}. يقول تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريشٍ: يا ربَّنا عجِّل لنا كُتُبَنا قبلَ يومِ القيامةِ. والقِطُّ في كلام العربِ الصحيفةُ المكتوبةُ، ومنه قولُ الأعشى ¬ديوانه ص 219.¥:<br>ولا الملِكُ النُّعمانُ يومَ لقيتَه ... بنِعْمَتِه يُعْطِي القُطوطَ ويأفِقُ<br>يعنى بالقُطوطِ: جمعَ القِطِّ، وهي الكتبُ بالجوائزِ.<br>واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى أراد هؤلاء المشركون بمسألتِهم ربَّهم تعجيلَ القِطِّ لهم؛ فقال بعضُهم: إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ حظِّهم من العذابِ الذي أُعِدَّ لهم في الآخرة في الدنيا، كما قال بعضُهم: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا}. يقولُ: العذابُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم - كما في الإتقان 2/ 40 - من طريق عبد الله بن صالح به.¥<br>حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}. قال: سألوا الله أن يعجل لهم العذاب قبل يوم القيامةِ ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 297 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.<br>حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا}. قال: عذابَنا.<br>حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا}. قال: عذابَنا ¬تفسير مجاهد ص 573. ومن طريقه الفريابي، كما فى تغليق التعليق 4/ 296، وابن خزيمة في التوحيد ص 67. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 297 إلى عبد بن حميد.¥.<br>حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}. أى: نصيبَنا؛ حظَّنا من العذابِ قبلَ يومِ القيامةِ. قال: قد قال ذلك أبو جهلٍ: اللهمَّ إن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} الآية ¬أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 2/ 161 عن معمر، عن قتادة، إلى قوله: "من العذاب". وقد تقدم أوله في ص 29.¥.<br>وقال آخرون: بل إنما سألوا ربَّهم تعجيلَ أنصِبائِهم [ومنازلِهم] ¬سقط من: ص، ت 1.¥ من الجنةِ حتى يرَوها، فيعلَموا حقيقةَ ما يَعِدُهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، فيؤمنوا حينئذٍ به ويصدِّقوه.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا}. قالوا: أرِنا منازلنا في الجنة حتى نتابعَك ¬ذكره القرطبي في تفسيره 15/ 157، والحافظ في الفتح 8/ 546 وعزاه إلى المصنف.¥.<br>وقال آخرون: مسألتهم نصيبهم من الجنةِ، ولكنهم سأَلوا تعجيلَه لهم في الدنيا.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ الحدَّاد، قال: سمِعتُ سعيدَ بنُ جُبَيرٍ يقولُ في قوله: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ}.<br>قال: نصيبنا من الجنةِ ¬أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 67 من طريق سفيان به.¥.<br>وقال آخرون: بل سألوا ربَّهم تعجيلَ الرزقِ.<br>ذكرُ مَن قال ذلك<br>حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بنُ عليٍّ، قال: ثنا أشعثُ السِّجِسْتانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ في قولِه: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا}. قال: رزقَنا ¬أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 68 عن محمد بنُ عمر به.¥.<br>وقال آخرون: [بل سأَلوا الله] ¬في م، ت 2، ت 3: "سألوا".¥ أن يعجلَ لهم كتبَهم التي قال اللَّهُ: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الحاقة: 19]، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة: 25]. في الدنيا، لينظُروا بأيمانِهم يُعْطَوْنها أم بشمائلِهم؟ ولينظُروا من أهلِ الجنةِ هم، أم مِن أهلِ النارِ، قبلَ يومِ القيامةِ، استهزاءً منهم بالقرآنِ وبوعدِ اللهِ.<br>وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: إن القومَ سألوا ربَّهم تعجيلَ صِكاكِهم بحظوظِهم من الخيرِ أو الشرِّ، الذى وعَد اللهُ عبادَه أن يؤتِيَهموها ¬في ت 1: "يريهموها".¥ في الآخرةِ، قبلَ يومِ القيامةِ في الدنيا، استهزاءً بوعيدِ اللَّهِ.<br>وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن القِطَّ هو ما وصَفتُ من الكتبِ بالجوائزِ والحظوظِ، وقد أخبر اللهُ عن هؤلاءِ المشركين أنهم سأَلوه تعجيلَ ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قولَه لنبيِّه: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ}. فكان معلومًا بذلك أن مسألتَهم ما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - لو لم تكن على وجه الاستهزاءِ منهم، لم يكُن بالذي يُتبع ¬بعده في ت 2، ت 3: "ذلك".¥ الأمرَ بالصبرِ عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاءً، وكان فيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَذًى، أمره الله بالصبرِ عليه منهم، حتى يأتيَه قضاؤُه فيهم، ولما لم يكنْ فى قولِه: {عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا}. بيانُ أى ¬في ص: "أن".¥ القُطوطِ [أراد بهم] ¬فى م، ت 1، ت 2، ت 3: "إرادتهم".¥ لم يكنْ لنا توجيهُ ذلك إلى أنه معنيٌّ به القُطوطُ، ببعضِ معانى الخير أو الشرِّ؛ فلذلك قلنا: إن مسألتهم كانت ¬بعده في ص: "ما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كانت".¥ بما ذكرتُ من حظوظِهم من الخير والشرِّ.<br>