تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 34

السورة 5 : الآية 34

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إلا الذين تابوا مِن شركِهم، ومُناصَبَتِهم الحربَ لله ولرسولِه، والسعيِ في الأرضِ بالفسادِ بالإسلامِ، والدخولِ في الإيمانِ من قبلِ قدرةِ المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيلَ للمؤمنين عليهم بشيءٍ من العقوباتِ التي جعَلَها اللهُ جزاءً لمن حارَبه ورسولَه، وسَعَى في الأرض فسادًا؛ من قتلٍ أو صلبٍ أو قطعِ يدٍ ورجلٍ مِن خلافٍ أو نفيٍ من الأرضِ، فلا تِباعَةَ ¬التَّبِعَة والتِّباعة: ما اتبعت به صاحبك من ظلامة ونحوها، وهما أيضا ما فيه إثم يتبع. اللسان (ت ب ع).¥ قِبَلَه لأحدٍ فيما كان أصاب في حالِ كفرِه وحربِه المؤمنين، في مالٍ ولا دمٍ ولا حرمةٍ. قالوا: فأما المسلمُ إذا حارب المسلمين أو المُعاهَدِين، وأتَى بعضَ ما يجبُ عليه العقوبةُ، فلن تَضَعَ توبتُه عنه عقوبةَ ذنبِه، بل توبتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ، وعلى الإمامِ إقامةُ الحدِّ الذي أوْجَبَه اللَّهُ عليه، وأَخْذُه بحقوقِ الناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِى، عن عِكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: نَزَلتْ هذه الآيةُ في المشركين، [فمَن تاب] ¬- في ص، ت 1،: "في من مات".¥ منهم مِن قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، لم يكُنْ عليه سبيلٌ، وليست تُحرِزُ هذه الآيةُ الرجلَ المسلمَ مِن الحدِّ إن قتَل أو أَفْسَد في الأرضِ، أو حارب الله ورسولَه، ثم لَحِق بالكفارِ قبلَ أن يُقْدَر عليه، [لم يَمْنَعْه ذلك أَنْ] ¬في النسخ: "ذلك". والمثبت ما تقدم في ص 361.¥ يُقام عليه الحدُّ الذي أصاب ¬تقدم تخريجه في ص 361.¥.
حدَّثنا بشارٌ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قال: هذا لأهل الشِّركِ، إذا فعلوا شيئًا في شركِهم، فإن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، إذا تابوا وأسلَموا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}: الزِّنى، والسرقةُ، وقتلُ النفسِ، وإهلاكُ الحرثِ والنسلِ، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} على عهد الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ¬تقدم تخريج أوله في ص 372.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: كان قومٌ بينَهم وبينَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ميثاقٌ، فنَقَضوا العهدَ، وقَطَعوا السَّبيلَ، وأَفسَدوا في الأرضِ، فخيَّر اللهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - فيهم؛ فإن شاءَ قتل، وإن شاء صلَب، وإن شاء قطَّع أيديَهم وأرجلَهم مِن خلافٍ ¬تقدم تخريجه في ص 260، وينظر طرف منه في ص 385.¥، فمَن تَابَ قبلَ أَن تَقْدِرُوا عليه، قُبِل ذلك منه ¬تقدم تخريجه في ص 360، 380.¥.
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا عبدِ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. فذَكَر نحوَ قولِ الضحاكِ، إلا أنه قال: فإن جاء تائبًا فدخَل في الإسلامِ قُبل منه، ولم يُؤَاخَذْ بما سَلَف ¬¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}. قال: هذا لأهلِ الشركِ، إذا فعَلوا شيئًا مِن هذا في شركِهم، ثم تابوا وأسلَموا، فإن الله غفورٌ رحيمٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ وقتادةَ: أما قولُه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}. فهذه لأهلِ الشركِ، فمَن أصاب مِن المشركين شيئًا من المسلمين وهو لهم حربٌ، فأَخَذ مالًا، أو أصاب دمًا، ثم تاب قبلَ أن تَقدِروا عليه، أُهدِر عنه ما مضَى ¬تقدم تخريجه في ص 375.¥.
وقال آخرون: بل هذه الآيةُ مَعْنِيٌّ بالحكمِ بها المحارِبون الله ورسولَه؛ الحُرَّابُ مِن أهلِ الإسلامِ، مَن قطَع منهم الطريقَ وهو مقيمٌ على إسلامِه، ثم اسْتَأْمَن، فأُومِن على جناياتِه التي جناها، وهو للمسلمين حَرْبٌ، ومَن فعَل ذلك منهم مرتدًّا عن الإسلام ثم لَحِق بدارِ الحربِ، ثم اسْتَأْمَنَ فأُومِن. قالوا: فإذا أُمَّنَه الإمامُ على جناياتِه التي سَلَفَتْ لم يكنْ قِبَلَه لأحدٍ تَبِعةٌ في دمٍ ولا مالٍ أصابه قبلَ توبتِه، وقبل أمانِ الإمامِ إياه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخبرني أَبو أسامةَ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن عامرٍ الشَّعْبِيِّ، أن حارثةَ بن بدرٍ خرَج محاربًا، فأخاف السبيلَ، وسفَك الدمَ، وأخَذ الأموالَ، ثم جاءَ ¬في ص، ت 1: "جاءه".¥ تائبًا من قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، فقبل عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلامُ توبتَه، وجعل له أمانًا منشورًا، على ما كان أصاب من دمٍ أو مالٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال أخبرنا هُشيمٌ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ أن حارثةَ بنُ بدرٍ حارب في عهدِ عليٍّ بنُ أبي طالبٍ، فأتَى الحسنَ بنُ عليٍّ رضوانُ اللهِ عليهما، فطَلَب إليه أن يَسْتَأْمِنَ له من عليٍّ، فأَبَى، ثم أَتَى ابن ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، س: "أبى" وهو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.¥ جعفرٍ، فأبَى عليه، فأتَى سعيدَ بنُ قيسٍ الهمْدَاني فأَمَّنَه، وضمَّه إليه، وقال له: اسْتَأْمِنْ إِلَى أَميرِ المؤمنين عليّ بنِ أبى طالبٍ ¬اسْتَأْمَنَ إليه: استجاره وطلب حمايته. الوسيط (أ م ن).¥. قال: فلمَّا صلَّى عليٌّ الغَداةَ، أتاه سعيدُ بنُ قيسٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما جزاءُ الذين يُحاربون الله ورسولَه؟ قال: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}. قال: ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}. فقال سعيدٌ: وإن كان حارثةَ بنُ بدرٍ؟ قال: وإن كان حارثةَ بنُ بدرٍ. قال: فهذا حارثةُ بنُ بَدرٍ قد جاء تائبًا، فهو آمِنٌ؟ قال: نعم. قال: فجاء به فبايعَه، وقَبِل ذلك منه، وكتَب له أمانًا ¬أخرجه ابن
أبي شيبة 12/ 281، 282، وابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (409)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 3/ 95 - وابن عساكر في تاريخ دمشق 11/ 389، 390 من طريق مجالد به نحوه، وقد صُرِّحَ باسم ابن جعفر في رواية أخرى عند ابن أبي شيبة 8/ 708، 709 عن أبي أسامة، عن مجالد به مختصرًا جدًّا: وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 279 إلى عبد بن حميد. وقد تحرف إسناد الأثر في تاريخ ابن عساكر.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: كان حارثةُ بنُ بدرٍ قد أَفْسَد في الأرضِ وحارب ثم تاب، وكُلِّم له عليٌّ فلم يُؤَمِّنه، فأتى سعيدَ بنُ قيسٍ فكلَّمه، فانْطَلَق سعيدُ بنُ قيسٍ إلى عليٍّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما تقولُ في من حارب الله ورسولَه؟ فقرأ الآية كلَّها. فقال: أرأيتَ مَن تاب مِن قبلِ أن تَقْدِرَ عليه؟ قال: أقولُ كما قال اللهُ. قال: فإنه حارثةُ بنُ بدرٍ. قال: فأَمَّنه عليٌّ. فقال حارثةُ ¬البيتان في مصادر التخريج السابقة باختلاف يسير في اللفظ.¥:
ألا أبْلِغَنْ هَمْدَانَ إِمَّا لَقِيتَها ... على النَّأْيِ لا يَسْلَمْ عدوٌّ يَعِيبُها
لَعَمْرُ أَبيها إِنَّ همدانَ تَتَّقِى الـ ... إلهَ ويَقضى بالكتابِ خَطيبُها
حدَّثني محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}: وتوبتُه مِن قبلِ أن يُقدَرَ عليه، أن يَكْتُبَ إلى الإمامِ يَسْتَأْمِنُه على ما قتَل وأَفْسَد في الأرضِ: فإن لم يُؤمِّنِّى على ذلك ازددتُ فسادًا وقتلًا وأخْذًا الأموالَ أكثرَ مما فعلتُ ذلك قبلُ. فعلى الإمام مِن الحقِّ أن يُؤمِّنَه على ذلك، فإذا أمَّنَه الإمامُ جاء حتى يضعَ يدَه في يد الإمامِ، فليس لأحدٍ من الناسِ أن يَتَّبِعَه، ولا يَأْخُذَه بدمٍ سَفَكه، ولا مالٍ أخَذه، وكلُّ مالٍ كان له فهو له، لكَيْلا يَقْتُلَ المؤمنين أيضًا ويُفْسِدَ ¬في م: "يفسده"، وفى س: "تفسد".¥، فإذا رجَع إلى اللهِ جلَّ وعزَّ فهو وَلِيّه يَأْخُذُه بما صنع، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ الإمامِ والناسِ، فإذا أَخَذه الإمامُ وقد تاب فيما يَزعُمُ إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه قبل أن يُؤَمِّنَه الإمام، فليُقِمْ عليه الحَدَّ.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيز، أخبرني ¬كذا في النسخ، والصواب: "عن". وينظر في رواية سعيد عن مكحول ما تقدم في 3/ 586، 4/ 25.¥ مَكْحولٌ أنه قال: إذا أعطاه الإمامُ أمانًا، فهو آمِنٌ ولا يُقام عليه الحدُّ ما كان أَصاب.
وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ من جاء تائبًا مِن الحُرَّابِ قبلَ القُدْرَةِ عليه اسْتَأْمَن الإمامَ فَأَمنَّه، أو لم يَسْتَأْمِنْه بعدَ أن يجيءَ مستسلمًا تاركًا للحربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن أشْعَثَ، عن عامرٍ، قال: جاء رجلٌ مِن مُرادٍ إلى أبي موسى وهو على الكوفةِ في إمرةِ عثمانَ بعدَ مَا صلَّى المكتوبةَ، فقال: يا أبا موسى هذا مقامُ العائذِ بك، أنا فلانُ بنُ فلانٍ المُرادِيُّ، كنتُ حاربتُ الله ورسولَه، وسَعَيْتُ في الأرضِ، وإني تبتُ مِن قبلِ أن يُقْدَرَ عليَّ. فقام أبو موسى فقال: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، وإنه كان حارب الله ورسولَه، وسعَى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبلَ أن يُقدَرَ عليه، فمَن لَقِيَه فلا يَعرِضْ له إلا بخير [وتوبةٍ] ¬سقط من: م.¥. فأقام الرجلُ ما شاءَ اللَّهُ، ثم إنه خرَج فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ بذنوبِه فقتَله ¬أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 282، والبيهقى 8/ 284 من طريق أشعث به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 279 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني الحارث بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن الشعبيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى. فذكر نحوَه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 66 عن المصنف.¥.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: أرأيتَ هذا المحاربَ الذي قد أخاف السبيلَ، وأصاب الدمَ والمالَ، فلَحِقَ بدارِ الحربِ، أو تَمَنَّعَ في بلادِ الإسلام، ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدَرَ عليه؟ قال: تُقْبَلُ توبتُه. قال: قلتُ: فلا يُتْبَعُ بشيءٍ مِن أَحْداثِه؟ قال: لا، إلا أن يُوجَدَ معه مالٌ بعينِه، فيُرَدَّ إلى صاحبِه، أو يَطْلُبَه وَليُّ مَن قُتِل بدمٍ في حربِه يَثْبُتُ ببَيِّنةٍ أو اعترافٍ فيُقادَ به، وأما الدِّماءُ التي أصابَها ولم يَطْلُبْها أولياؤها فلا يَتْبَعُه الإمامُ بشيءٍ. قال عليٌّ: قال الوليدُ: فذكرتُ ذلك لأبي عمرٍو، فقال: تُقْبَلُ توبتُه إذا كان محارِبًا للعامةِ والأئمةِ قد آذاهم بحربِه، فشهَر سلاحَه، وأصاب الدماءَ والأموالَ، فكانتْ له مَنَعَةٌ، أو فِئَةٌ يَلجَأُ إليهم، أو لَحِق بدارِ الحربِ، فارْتَدَّ عن الإسلامِ، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا مِن قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، قُبِلَتْ توبتُه، ولم يُتْبَعْ بشيءٍ منه.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرٍو: سَمِعتُ ابنَ شهابٍ الزُّهْرِيَّ يقولُ ذلك.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: فذكرتُ قولَ أبي عمرٍو ومالكٍ لِليْثِ بن سعدٍ في هذه المسألة، فقال: إذا أَعْلَن بالمحارَبةِ العامَّة والأئمةَ، وأصاب الدماء والأموالَ، فامْتَنَع بمحاربتِه مِن الحكومةِ عليه ¬الحُكْم: القضاء. حكَم عليه بالأمرِ يَحْكُم حُكمًا وحكومةً. اللسان (ح ك م).¥، أو لَحِق بدارِ الحربِ، ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، قُبِلَتْ توبتُه، ولم يُتْبَعْ بشيءٍ مِن أحداثِه في حربهِ مِن دمِ خاصَّةٍ ولا عامَّةٍ، وإن طَلَبَه وليُّه ¬ينظر التبيان 3/ 506.¥.
حدثني عَليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال الليثُ: وكذلك ثنى موسى بنُ إسحاقَ المَدَنيُّ - وهو الأمرُ ¬في م: "الأمير".¥ عندنا - أن عليًّا الأَسَديَّ حارب، وأخاف السبيلَ، وأصاب الدمَ والمالَ، فطَلَبَتْه الأئمةُ والعامةُ، فامْتَنَع ولم يُقْدَرُ عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سَمِع رجلًا يقرأُ هذه الآية: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} الآية [الزمر: 53]. فوقَف عليه فقال: يا عبدَ الله، أعِدْ قراءتَها. فأعادَها عليه، فغَمَد سيفَه، ثم جاء تائبًا، حتى قَدِم المدينةَ مِن السَّحَرِ، فَاغْتَسَل ثم أتى مسجدَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى الصبحَ، ثم قعَد إلى أبى هُريرةَ في غمارِ ¬غَمْرَةُ الناسِ وغَمْرُهم وغُمارهم وغِمارهم: جماعتهم ولَفيفهم وزحمتهم. ينظر اللسان (غ م ر).¥ أصحابِه، فلما أَسْفَروا ¬في م: "أسفر" وأسفر القوم: إذا أصبحوا. تاج العروس (س ف ر).¥ عرَفه الناسُ، وقاموا إليه، فقال: لا سبيلَ لكم عليَّ، جئتُ تائبًا من قبلِ أن تَقْدروا عليَّ. فقال أبو هريرة: صدَق. وأَخَذ بيدِه أبو هريرةَ، حتى أتى مَرْوانَ بنَ الحكمِ في إِمْرَتِه على المدينةِ في زمنِ مع
اويةَ، فقال: هذا عليٌّ جاء تائبًا، ولا سبيلَ لكم عليه ولا قَتْلَ. قال: فتُرِك من ذلك كلِّه. قال: وخرَج على تائبًا مجاهدًا في سبيل اللهِ في البحرِ، فلقُوا الرومَ، فقرَّبوا ¬في ص، ت 1: "فقرنوا".¥ سفينتَه إلى سفينةٍ من سفنِهم، فاقْتَحَم على الرُّومِ في سفينتِهم، فهُزِمُوا منه إلى سفينتِهم الأُخرى، فمالَتْ بهم وبه، فغَرِقوا جميعًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 96 عن المصنف.¥.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سَمِعتُ عطاءً قال فِي رجلٍ سرَق سرقةً، فجاء بها تائبًا من غيرِ أَن يُؤْخَذَ، فهل عليه حدٌّ؟ قال: لا. ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 279 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابن البَرْقَيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرَةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، وعن أبي معاويةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قالا: إن جاء تائبًا لم يَقْتَطِعْ مالًا، ولم يَسْفِكْ دمًا تُرِك، فذلك الذي قال اللهُ: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}. يعنى بذلك أنه لم يَسفِكْ دمًا، ولم يَقْتَطِعْ مالًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 279 إلى المصنف دون آخره.¥.
وقال آخرون: بل عنَى بالاستثناءِ في ذلك التائبَ مِن حربِه اللَّهَ ورسولَه، والسعي في الأرضِ فسادًا، بعدَ لَحَاقِهِ في حربِه بدارِ الكفرِ، فأما إذا كانت حِرابَتُه وحربُه وهو مقيمٌ في دارِ الإسلامِ، وداخلٌ في غِمارِ الأُمَّةِ، فليست توبتُه واضعةً عنه شيئًا من حدودِ اللهِ، ولا مِن حقوقِ المسلمين والمُعاهَدين، بل يُؤخَذُ بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، قال: أخبرني إسماعيلُ، عن هشامِ بنُ عُروةَ، أنه أخبرَه أنهم سألوا عروَةَ عمَّن تَلَصَّص في الإسلامِ فأصاب حدودًا، ثم جاء تائبًا. فقال: لا تُقْبَلُ توبته؛ لو قُبِل ذلك منهم اجْتَرَءوا عليه. وكان فسادًا كبيرًا، ولكن لو فَرَّ إلى العدوِّ ثم جاء تائبًا، لم أرَ عليه عقوبةً ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (18548)، والنحاس في ناسخه ص 386 من طريق هشام به.¥.
وقد رُوِى عن عروةَ خلافُ هذا القولِ.
وهو ما حدَّثني به عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، س: "و".¥: أخبرني مَن سَمِع هشامَ بنَ عروةَ، عن عروةَ، قال: يُقامُ عليه حدُّ ما فَرَّ منه، ولا يجوزُ لأحدٍ فيه أمانٌ. يعنى: الذي يُصيبُ حدًّا، ثم يَفِرُّ فيَلْحَقُ الكفارَ، ثم يجيءُ تائبًا.
وقال آخرون: إن كانت حِرابتُه وحربُه في دارِ الإسلامِ، وهو في غيرِ مَنَعَةٍ مِن فئةٍ يَلْجَأُ إليها، ثم جاء تائبًا قبلَ القُدرةِ عليه، فإن توبتَه لا تضعُ عنه شيئًا من العقوبةِ، ولا مِن حقوقِ الناسِ. وإن كانت حِرابتُه وحربُه في دارِ الإسلامِ، أو هو لاحِقٌ بدارِ الكفرِ، غيرَ أنه في كلِّ ذلك كان يلجأُ إلى فئةٍ تَمْنَعُه ممَّن أراده مِن سُلطان المسلمين، ثم جاء تائبًا قبلَ القُدرةِ عليه، فإن توبتَه تضعُ عنه كلَّ ما كان مِن أحْداثِه في أيامِ حرابتِه تلك ¬في ص، ت 3، س: "كذلك".¥، إلا أن يكونَ أصاب حدًّا، أو أمَر الرُّفْقَةَ بما فيه عقوبةٌ أو غُرْمٌ لمسلمٍ أو مُعاهِدٍ، وهو غيرُ مُلْتَجِيءٍ إلى فئةِ تَمْنَعُه، فإنه يُؤْخَذُ بما أصاب من ذلك وهو كذلك، ولا يضعُ ذلك عنه توبتُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرٍو: إذا قطَع الطريقَ لصٌّ أو جماعةٌ مِن اللصوصِ، فأصابوا ما أصابوا مِن الدماءِ والأموالِ، ولم يَكُنْ لهم فئةٌ يَلْجَئون إليها، ولا منعةٌ، ولا يَأْمَنون إلا بالدخولِ في غِمَارِ أُمَّتِهم، وسَوادِ عامَّتِهم، ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدرَ عليه، لم تُقْبَل توبتُه، وأُقِيم عليه حدُّه ما كان.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ذكرتُ لأبي عمرٍو قولَ عروةَ: يُقامُ عليه حدُّ ما فرَّ منه، ولا يجوزُ لأحدٍ فيه أمانٌ. فقال أبو عمرٍو: إن فرَّ مِن حَدَثِه في دارِ الإسلام فأعطاه إمامٌ أمانًا، لم يَجُزْ أمانُه. وإن هو لَحِق بدارِ الحربِ ثم سأل إمامًا أمانًا على أحْداثه، لم يَنْبَغِ للإمامِ أن يُعطيَه أمانًا. وإن أعطاه الإمامُ أمانًا وهو غيرُ عالمٍ بأحداثِه، فهو آمنٌ. وإن جاء أحدٌ يَطلُبه بدمٍ أو مالٍ، رُدَّ إِلى مَأْمَنِه، فإن أبى أن يرجعَ فهو آمنٌ، ولا يُتَعَرَّضُ ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "يعرض".¥ له. قال: وإن أعطاه أمانًا على أحداثِه وهو يعرفُها، فالإمامُ ضامنٌ، واجبٌ عليه عَقْلُ ¬العقل: الدِّيَة. وعقَل عنه عَقْلًا: أدَّى جِنايتَه، وذلك إذا لزمتْه ديةٌ فأعطاها عنه. ينظر تاج العروس (ع ق ل).¥ ما كان أصاب من دمٍ أو مالٍ، وكان فيما عَطَّل من تلك الحدودِ والدماءِ أثمًا، وأمرُه إلى اللهِ جلَّ وعزَّ. قال: وقال أبو عمرٍو: فإذا أصاب ذلك، وكانت له مَنَعَةٌ أو فئةٌ يلجأُ إليها، أو لَحِق بدارِ الحربِ فارتدَّ عن الإسلام، أو كان مُقيمًا عليه ثم جاء تائبًا من قبلِ أن يُقْدرَ عليه، قُبِلَتْ توبتُه، ولم يُتْبَعْ بشيءٍ مِن أح
داثِه التي أصابَها في حربِه، إلا أن يُوجَدَ معه شيءٌ قائمٌ بعينِه، فيُرَدَّ إلى صاحبِه.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخبرني ابن لَهيعةَ، عن ربيعةَ، قال: تُقْبَلُ توبتُه، ولا يُتبَعُ بشئٍ مِن أحْداثِه في حربِه، إلا أن يَطْلُبَه أحدٌ بدمٍ كان أصابه في سِلْمِه قبلَ حربِه، فإنه يُقادُ به.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معمرٌ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا الحجاجُ، عن الحكمِ بنُ عتيبةَ، قال: قاتَلَ اللَّهُ الحجاجَ، إنْ كان لَيَفْقَهُ! أَمَّن رَجُلًا مِن مُحارَبَتِهِ فقال: انْظُروا هل أصاب شيئًا قبل خروجِه؟
وقال آخرون: تضَعُ توبتُه عنه حدَّ اللَّهِ الذي وجَب عليه بمُحارَبَتِه، ولا تُسقِطُ عنه حقوقَ بني آدمَ.
وممن قال ذلك الشافعيُّ. حدَّثنا بذلك عنه الرَّبيعُ ¬الأم 6/ 154.¥.
وأوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: توبةُ المحاربِ المُمْتَنِعِ بنفسِه، أو بجماعةٍ معه قبلَ القدرةِ عليه، تضعُ عنه تَبِعاتِ الدنيا التي كانت لَزِمَتْه في أيام حربِه وحرابتِه؛ من حدودِ اللهِ، وغُرمٍ لازمٍ، وقَوَدٍ، وقصاصٍ، إلا ما كان قائمًا في يدِه مِن أموالِ المسلمين والمُعاهدين بعَيْنِه، فيُرَدُّ على أهله؛ لإجماعِ الجميع على أن ذلك حكمُ الجماعةِ الممتنعة المحاربةِ لله ولرسوله، الساعية في الأرضِ فسادًا، على وجهِ الرِّدَّةِ عن الإسلام. فكذلك حكمُ كلِّ ممتنعٍ سعَى في الأرضِ فسادًا، جماعةً كانوا أو واحدًا. فأمَّا المُسْتَخْفِى بسرقتِه والمتلصِّصُ على وجهِ اغْتِفالِ ¬في م: "إغفال"، وفي س: "اغتيال". وتَغَفَّلْتُه واسْتَغْفَلْتُه: تَحَيَّنْتُ غَفْلَتَه. ومعنى الاغتفال هنا في سياقه بنفس المعني. ينظر اللسان (غ ف ل).¥ مَن سرَقه، والشاهرُ السلاحَ في خَلاءٍ على بعضِ السابِلَةِ، وهو عندَ الطلبِ غيرُ قادرٍ على الامتناعِ، فإن حكمَ اللهِ عليه - تاب أو لم يَتُبْ - ماضٍ، وبحقوقِ مَن أخَذ مالَه أو أصاب وليَّه بدمٍ أو خَتْلٍ، مَأْخُوذٌ، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ، قياسًا على إجماعِ الجميعِ على أنه لو أ
صاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْمٌ، ثم صار لهم حَرْبًا، أن حربَه إياهم لن يضعَ عنه حقًّا للهِ عزَّ ذكرُه، ولا لآدميٍّ، فكذلك ¬بعده في ص، ت 1: "ذلك".¥ حكمُه إذا أصاب ذلك في خَلاءٍ أو باسْتِخْفاءٍ، وهو غيرُ ممتنِعٍ من السلطان بنفسِه إن أراده، ولا له فئةٌ يلجأُ إليها مانعةٌ منه.
وفي قولِه: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}. دليلٌ واضحٌ لَمَن وُفِّق لفهمِه، أن الحكمَ الذي ذكرَه اللهُ في المحاربين [يجرى في] ¬في ص، ت 2: "مجر مجاري".¥ المسلمين والمُعاهِدين، دونَ المشركين الذين قد نَصَبوا للمسلمين حربًا؛ وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهلِ الحربِ من المشركين دونَ المسلمين، ودونَ ذِمَّتِهم، لَوَجَب أَلا يُسقِطَ إسلامُهم عنهم - إذا أسلموا أو تابوا بعد قُدْرتِنا عليهم - ما كان لهم قبلَ إسلامِهم وتوبتِهم من القتلِ، وما للمسلمين في أهلِ الحربِ من المشركين. وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشركِ الحَرْبيِّ يضعُ عنه بعدَ قُدرةِ المسلمين عليه، ما كان واضِعَه عنه إسلامُه قبلَ القدرةِ عليه، ما يَدُلُّ على أن الصحيحَ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: عَنَى بآية المحاربين في هذا الموضعِ حُرَّابَ أهلِ المِلَّةِ أو الذِّمَّةِ دونَ مَن سواهم مِن مشركي أهلِ الحربِ.
وأمَّا قولُه: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. فإن معناه: فاعلَموا أيُّها المؤمنون أن اللَّهَ غيرُ مُؤَاخِدٍ مَن تاب مِن أهل الحربِ للهِ ولرسولِه، السّاعين في الأرض فسادًا، وغيرِهم بذنوبِه، ولكنَّه يعفُو عنه فيَسْتُرُها عليه، ولا يَفْضَحُه بها بالعقوبةِ في الدنيا والآخرةِ، رحيمٌ به في عفوِه عنه، وتَرْكِه عقوبتَه عليه.

تفاسير بلغات أخرى · 6