تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}.
يَعْنِى جلَّ ثناؤُه بذلك: يا أَيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه فيما أخبَرَهم ووعدَ ¬في م، ت 2: "وعدهم".¥
مِن الثوابِ، وأَوْعَد مِن العقابِ، {اتَّقُوا اللَّهَ}. يقولُ: أَجِيبُوا اللَّهَ فيما أَمَرَكم ونَهاكم، بالطاعةِ له في ذلك، وحَقِّقوا إيمانَكم وتصديقَكم ربَّكم ونبيَّكم، بالصالحِ من أعمالِكم، {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. يقولُ: واطلُبوا القُرْبةَ إليه بالعملِ بما يُرضِيه ¬في س: "وظفته".¥.
والوسيلةُ هي الفعيلةُ، من قول القائل: تَوصَّلتُ إلى فلان بكذا. بمعنى: تَقَرَّبتُ إليه، ومنه قول عَنترَة ¬ديوانه ص 20.¥:
إنَّ الرجالَ لهم إليكِ وَسِيلَةٌ ... إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي
يَعْنِي بالوسيلةِ القُربةَ.
ومنه قولُ الآخَرِ ¬مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 164، وتفسير القرطبي 6/ 159، دون نسبة.¥:
إذا غَفَل الواشُون عُدْنا لوَصْلِنا ... وعاد التَّصافِي بينَنا والوسائلُ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيرِيُّ، قال: ثنا سُفْيانُ، ح وحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا زَيْدُ بنُ الحُبابِ، عن سُفيانَ، عن منصُورٍ، عن أبي وائلٍ: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. قال: القُربةُ في الأعمالِ ¬ينظر تفسير ابن كثير 3/ 96.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، ح وحدَّثنا سُفيانُ، قال: ثنا أَبي، عن طَلْحَةَ، عن عَطَاءٍ: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. قال: القُربةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ ¬في النسخ: "عمرو". وهو إسناد دائر، ينظر مثلا 2/ 594، 5/ 440،437، وسيأتي في ص 408، 413، وينظر أيضا الجرح والتعديل 7/ 230.¥، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. قال: فهى المسألةُ والقُربةُ ¬ينظر تفسير ابن كثير 3/ 96.¥.
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. أي: تَقَرَّبوا إليه بطاعتِه والعملِ بما يُرضِيه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 280 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أَبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}: القُربةُ إِلى اللَّهِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 189.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدِ الرزَّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. قال: القُربةُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 96.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ قوله: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. قال: القُربةُ ¬¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيدٍ في قولِه: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}. قال: المحبةُ، تَحبَّبوا إلى اللَّهِ. وقرأ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} ¬¥ [الإسراء: 57].
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به وبرسولِه: وجاهِدوا أيُّها المؤمنون أعدائِى وأعداءَكم في سبيلى. يَعنِي: في دينِه وشريعتِه التي شَرَعها لعبادِه، وهي الإسلامُ. يقولُ: أَتْعِبوا أَنفسَكم في قتالِهم وحَملِهم على الدخولِ في الحنيفيَّة المسلمة. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. يقولُ: كيما تُنْجِحوا فَتُدرِكوا البقاءَ الدائمَ، والخلودَ في جنانِه.
وقد دَلَّلنا على معنى "الفلاح" فيما مضَى بشواهِده، بما أَغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 256 وما بعدها.¥.