تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 38

السورة 5 : الآية 38

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن سرَق مِن رجلٍ أو امرأةٍ فاقْطَعُوا أيُّها الناسُ يدَه. ولذلك ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "كذلك".¥ رُفِع {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}؛ لأنهما غيرُ مُوقَّتين ¬في م: "معينين". وغير الموقت هو الاسم المعرفة المشتق، فهو لا يدل على سارق بعينه أو سارقة بعينها.
ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 306، والمصطلح النحوى ص 168، وينظر ما تقدم في 6/ 178.¥، ولو أُرِيدَ بذلك سارقٌ وسارقةٌ بأعيانِهما، لكان وجهُ الكلامِ النَّصْبَ.
وقد رُوِى عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقرَأُ ذلك: (والسارِقُونَ والسارِقَاتُ ¬ذكره الفراء في معاني القرآن 1/ 306، والقراءة شاذة لم ترد عن أحد من القراء العشرة.¥.
حدَّثَنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثَنَا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، عن ابن عَوْنٍ، عن إبراهِيمَ، قال: في قراءتِنا - قال: وربما قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ -: (والسارِقُونَ والسارِقاتُ فاقطَعُوا أيمانَهُما) ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (737 - تفسير) من طريق ابن عون به، بلفظ: تقطع أيمانهم. وليس عنده: وربما قال في قراءة عبد الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 280 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ ولفظه: (فاقطعوا أيمانهم).¥.
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن إبراهيمَ: في قراءتِنا: (والسارِقُون وَالسَّارِقَاتُ فاقْطَعُوا أَيْمَانَهما).
وفى ذلك دليلٌ على صحةِ ما قلنا مِن معناه، وصحةِ الرفعِ فيه، وأن {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} مرفوعانِ بفعلِهما على ما وصَفتُ؛ للعللِ التي وصَفتُ.
وقال تعالى ذكرُه: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} والمعنى: أيديَهما اليُمنَى.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}: اليُمنى.
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (والسارِقُ والسارِقَةُ فَاقْطَعوا أيمانَهما) ¬أخرجه البيهقى 8/ 270 من طريق مجاهد: في قراءة ابن مسعود. فذكره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 280 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
ثم اختَلَفوا في السارقِ الذي عَنَاهِ اللَّهُ؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك سارقَ ثلاثةِ دراهمَ فصاعدًا. وذلك قولُ جماعةٍ مِن أهلِ المدينةِ؛ منهم مالكُ بنُ أنسٍ ومَن قال بقولِه. واحتَجُّوا لقولِهم ذلك بأن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قطَع في مِجنٍّ ¬المجن: التُّرس؛ لأنه يوارى حامله، أي: يستره. والميم زائدة. النهاية 1/ 308.¥ قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ ¬أخرجه البخارى (6795 - 6799)، ومسلم (1686) من حديث عبد الله بن عمر.¥.
وقال آخَرون: بل عنَى بذلك سارقَ ربعِ دينارٍ أو قيمتِه. وممن قال ذلك الأَوزاعيُّ ومن قال بقولِه. واحتَجُّوا لقولِهم ذلك بالخبرِ الذي رُوِىَ عن عائشةَ أنها قالت: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "القَطْعُ في رُبُعِ دينارٍ فصاعدًا" ¬أخرجه بهذا اللفظ النسائي (4945)، وأخرجه البخارى (6789، 6791)، ومسلم (1684)، وغيرهما بنحوه.¥.
وقال آخَرون: بل عنَى بذلك سارقَ عشَرةِ دراهمَ فصاعدًا. وممن قال ذلك أبو حنيفةَ وأصحابُه. واحتَجُّوا في ذلك بالخبرِ الذي رُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو ¬في ص، م، ت 1، س: "عمر".¥ وابنِ عباسٍ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قطَع في مِجَنٍّ قيمتُه عشَرةُ دراهمَ ¬حديث ابن عمرو أخرجه الإمام أحمد 11/ 281، 502 (6687، 6900)، والنسائى (4971)، وفى الكبرى (7444)، والطحاوى في شرح معاني الآثار 3/ 163، والدارقطنى 3/ 190 - 193، والبيهقى 8/ 259، وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود (4387)، والنسائى (4965، 4966)، والحاكم 4/ 318، والطحاوى في شرح معاني الآثار 3/ 163. وينظر فتح البارى 12/ 103.¥.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك سارقَ القليلَ والكثيرَ. واحتَجُّوا في ذلك بأن الآيةَ على الظاهرِ، وأن ليس لأحدٍ أن يَخُصَّ منها شيئًا إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها. وقالوا: لم يَصِحَّ عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبرٌ بأن ذلك في خاصٍّ مِن السُّرَّاقِ. قالوا: والأخبارُ فيما قطَع فيه رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عنه مضطربةٌ مختلفةٌ، ولم يَروِ عنه أحدٌ أنه أُتِىَ بسارقِ درهمٍ فخلَّى عنه، وإنما رَوَوْا عنه أنه قطَع في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهِمَ. قالوا: وممكنٌ أن يكونَ لو أُتِىَ بسارقِ ما قيمتُه دانِقٌ ¬الدائق: سدس الدرهم. الصحاح (د ن ق).¥ أن يُقْطَعَ. قالوا: وقد قطَع ابن الزُّبير في درهمٍ. ورُوِىَ عن ابن عباسٍ أنه قال: الآيةُ على العمومِ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمِنِ، عن نَجْدَةَ الحَنَفِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}. أخاصٌّ أم عامٌّ؟ فقال: بل عامٌّ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 280 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: الآيةُ مَعْنيٌّ بها خاصٌّ مِن السُّرَّاقِ، وهم سُرَّاقُ ربعِ دينارٍ فصاعدًا أو قيمتِه؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "القَطعُ في رُبُعِ دينارٍ فصاعدًا". وقد استَقْصيتُ ذكرَ أقوالِ المختلفين في ذلك مع عللِهم التي اعتَلُّوا بها لأقوالِهم، والبيانَ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "السارق"، وفى م: "التلميح"، وفى س: "السارق والسارقة" والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.¥ عن أَوْلاها بالصوابِ بشواهِدِه في كتابِنا "كتابِ السرقةِ"، فكَرِهنا إطالةَ الكتابِ بإعادةِ ذلك في هذا الموضِعِ.
وقولُه: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ}. يقولُ: مكافأةً لهما على سرقتِهما وعملِهما في التَّلصُّصِ بمعصيةِ اللَّهِ، {نَكَالًا مِنَ اللَّهِ}. يقولُ: عُقوبةً مِن اللَّهِ على لُصوصيتِهما.
وكان قَتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: لا تَرْثُوا لهم أن تُقِيمُوا فيهم الحدودَ، فإنه: واللَّهِ ما أَمَر اللَّهُ بأَمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نَهَى عن أَمرٍ قَطُّ إلا وهو فسادٌ. وكان عُمرُ بنُ الخَطَّابِ يقولُ: اشتَدُّوا على السُّرَّاقِ، فاقطَعُوهم يدًا يدًا، ورِجلًا رِجلًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 80 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
وقولُه: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. يقولُ جلَّ ثناؤُه: واللهُ عزيزٌ في انتقامِه من هذا السارقِ والسارقةِ وغيرِهما من أهلِ معاصِيه، حكيمٌ في حُكْمِه فيهم وقضائِه عليهم. يقولُ: فلا تُفرِّطُوا أيُّها المؤمنون في إقامةِ حُكمِى على السُّرَّاقِ وغيرِهم من أهلِ الجرائمِ الذين أَوجَبْتُ عليهم حدودًا في الدنيا عقوبةً لهم، فإنى بحُكمِى قَضَيتُ ذلك عليهم، وعِلمى بصلاحِ ذلك لهم ولكم.

تفاسير بلغات أخرى · 6